قمع الضفة.. وخذلان غزة

السلطة في مواجهة الشارع بدل الاحتلال طعنة بظهر الشعب

نشر 09 ابريل 2025 | 15:22

في مشهدٍ متكرر أثار موجة غضب عارمة، أقدمت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية على قمع مسيرات تضامنية خرجت في مدن الضفة الغربية دعمًا لأهالي قطاع غزة، واعتقلت عددًا من المشاركين فيها، في وقت يتواصل فيه العدوان الصهيوني المستمر منذ قرابة 18 شهرًا.

وتزامنت هذه المسيرات مع إضراب شامل دعت إليه القوى الوطنية والإسلامية، رفضًا لمجازر الاحتلال المتواصلة بحق الفلسطينيين، إلا أن أجهزة السلطة قابلت هذه التحركات الشعبية بالقمع والاعتقالات، الأمر الذي اعتبره مراقبون "طعنة جديدة" للشارع الفلسطيني وقضيته العادلة.

ويرى محللون أن هذا السلوك القمعي يأتي في سياق ممنهج، يخدم أهداف الاحتلال الصهيوني، ويعكس حالة من التنسيق الأمني العميق بين أجهزة أمن السلطة والكيان المحتل، في ظل صمت دولي مطبق عن جرائم الإبادة في غزة.

الباحث السياسي محمد غازي الجمل قال إن السلطة "حسمت خيارها بالقيام بالوظيفة الأمنية لصالح الاحتلال، بغضّ النظر عن أي مبرر وطني"، محذرًا من تدهور شعبيتها نتيجة هذا المسار، الذي يجعلها أقرب إلى "أداة أمنية" منه إلى كيان يمثل تطلعات الشعب.

وبدوره، حذّر المحلل السياسي هاني المصري من تداعيات قمع المسيرات، معتبرًا أن السلطة تسعى للحفاظ على قبضتها الأمنية، خشية أن تتحول التظاهرات الحالية إلى موجة احتجاجات أوسع تهدد مصالح المتنفذين في النظام السياسي.

أما المحلل أحمد الحيلة، فأكد أن الاعتقالات في الضفة تأتي في سياق سياسة إقصاء تيار المقاومة، ضمن استحقاقات اتفاق أوسلو، مشيرًا إلى أن السلطة تمارس "احتكارًا للقرار الوطني" تحت مظلة الاحتلال ووفق شروطه.

المحلل السياسي إبراهيم المدهون ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن السلطة تنفذ عمليات قمع واعتقال بطلب مباشر من الاحتلال، في إطار "اتفاق أمني تكتيكي" لضبط الشارع الفلسطيني ومنع تعاطفه مع غزة، مؤكدًا أن هذا الدور يفقدها شرعيتها كممثل وطني.

من جهتها، أدانت حركة حماس حملة الاعتقالات، ووصفتها بأنها "طعنة جديدة" في ظهر الشعب الفلسطيني، مطالبة بوقفة وطنية جادة لوضع حدّ لهذا الانحراف الأمني الذي يخدم الاحتلال، ويقمع صوت الشعب المناصر لغزة.

كما اعتبرت حركة الجهاد الإسلامي هذه الممارسات "أعمالًا غير وطنية"، داعية السلطة إلى الانحياز لنبض الشارع الفلسطيني، لا قمعه.

و وصفت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة، ما جرى بأنه "انحدار خطير" في سلوك السلطة، خاصة بعد الاعتداء الجسدي على فتاة فلسطينية خلال مسيرة في رام الله، على يد عناصر أمنية بلباس مدني.

وقالت اللجنة إن هذا القمع يكشف "الوجه الحقيقي للسلطة التي باتت ترى في كل صوت حر خطرًا على وجودها"، مؤكدة أن الصمت عن هذه الممارسات يجعل من الجميع شركاء في التواطؤ على القضية الوطنية.

وفي ظل هذا المشهد المأساوي، يقف الشارع الفلسطيني أمام مفترق طرق خطير، بين سلطةٍ اختارت الاصطفاف إلى جانب التنسيق الأمني وقمع الحريات، وشعبٍ يواصل نضاله دفاعًا عن غزة وعن كرامته الوطنية.

وما يجري في الضفة لا يمكن فصله عن معركة التحرر الكبرى، فالقمع الداخلي لا يقل خطرًا عن رصاص الاحتلال، بل يشكّل غطاءً له. ويبقى الرهان على وعي الجماهير وإرادتها التي لم تنكسر، وعلى صوت الحق الذي لا يُسكت بالقوة، مهما اشتدت قبضة البطش.