في لحظة مفصلية، قررت المبرمجة إبتهال أبو السعد، الموظفة في شركة مايكروسوفت وخريجة جامعة "هارفارد"، أن تخرج عن صمتها الطويل، لتوجه صفعة أخلاقية مدوية لأحد أعتى عمالقة التكنولوجيا في العالم، وتكشف تورطها في دعم جيش الاحتلال الصهيوني خلال عدوانه على قطاع غزة.
ففي الذكرى الخمسين لتأسيس شركة مايكروسوفت، وخلال احتفال رسمي داخل الشركة، صعدت إبتهال إلى المنصة، لتقاطع خطاب المدير التنفيذي لقطاع الذكاء الاصطناعي مصطفى سليمان، متهمةً إياه – بشكل مباشر – بالتواطؤ في دعم جرائم الاحتلال، عبر تزويد الجيش الصهيوني بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وخدمات Azure، والخوادم السحابية التي تُستخدم في تتبع واستهداف المدنيين.
وقالت إبتهال في مداخلتها العلنية إنها، وعلى مدار 18 شهرًا، كانت تشهد الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، بينما تعلم أن جزءًا من عملها يساهم في قتل الأطفال، والصحفيين، والأطباء، والمدنيين الأبرياء في غزة، مضيفةً: "لا يمكن أن أكون جزءًا من هذا، لا يمكن أن أكون صامتة بعد اليوم."
وعقب هذه الحادثة، تم إغلاق حساباتها في الشركة ومنعها من الوصول إلى أدواتها الوظيفية، وهو ما يرجّح أنها تعرضت للطرد أو على الأقل للتجميد الإداري، ما يضعها في مواجهة حقيقية مع مايكروسوفت، وقد يعرض مستقبلها المهني – وربما القانوني – للخطر.
ورغم ذلك، لاقت خطوة إبتهال تفاعلًا هائلًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها نشطاء وسياسيون ومفكرون "صوتًا حرًّا" في زمن الخنوع.
الناشط الكويتي خالد العتيبي كتب عنها قائلًا: "في زمنٍ تصمت فيه الكثير من الضمائر داخل كبرى الشركات العالمية، وقفت المهندسة إبتهال أبو السعد (ذات الأصل المغربي) كصوتٍ حرّ وموقفٍ شجاع، لتُجسد صورة نادرة من البطولة الأخلاقية في عالم يغلب عليه الصمت أو التواطؤ أو الخنوع."
أما الناشط الفلسطيني خالد صافي، فقال إن إبتهال "مثّلت ضميرًا حيًا داخل غرفة صناعة القرار التكنولوجي، وأنها لم تخسر فقط عملها، بل عرضت مستقبلها كله للخطر، لتقف مع الحقيقة."
الحقوقي هيثم أبو خليل وصفها بـ"الشابة البطلة"، مضيفًا أنها قد تتعرض للترحيل من أمريكا بعد أن واجهت علنًا أحد أهم مسؤولي الشركة.
لم تكتف إبتهال بالصراخ على المسرح، بل أتبعت خطوتها الجريئة بإرسال بريد إلكتروني جماعي لجميع موظفي الشركة، تُوضّح فيه حقيقة ما يجري، وتدين استخدام موارد مايكروسوفت في دعم آلة القتل الصهيونية، مشددة على أن "التقنية التي صُنعت لخدمة البشرية لا يجب أن تتحول إلى أداة للإبادة."
وكتب الكاتب إياد القرا عنها: "في زمن انبطاح الحُكّام، وخذلان النخب، وسكوت أصحاب المناصب، تظهر إبتهال أبو السعد، فتاة عربية مغربية، محجبة، لتعلّمنا معنى أن تكون إنسانًا قبل أن تكون موظفًا."
وأضاف: "لم تحتمل أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي التي تُطورها تُستخدم في قتل الأبرياء في غزة. فضحت الشركة، واتهمت مدير الذكاء الاصطناعي – وهو من أصل عربي للأسف – بالتواطؤ في سفك الدم الفلسطيني."
ورغم أن مايكروسوفت قد تغلق الأبواب في وجه إبتهال أبو السعد، إلا أن التاريخ قد فتح لها بابًا لا يُغلق، فهي الآن اسم محفور في قائمة الشرفاء، الذين اختاروا التضحية على حساب الراحة، والصوت على حساب الصمت، والموقف على حساب المصلحة.
لقد صنعت إبتهال نموذجًا نادرًا في عالم التكنولوجيا، نموذجًا يُعيد تعريف دور المهندس والمبرمج والمفكر، في عالم يختلط فيه الابتكار بالسلطة، والتقدم بالقمع، والتقنية بالإبادة.