خلال العدوان الإسرائيلي على غزة وبتواطؤ ودعم واضحين من العالم أجمع، عاش أكثر من مليوني إنسان صنوفًا من المعاناة والقتل والإجرام ما لم يدونه المؤرخون في أزمنة التتار أو المغول، بل حتى أكبر مما فعله الأمريكان في فيتنام أو هيروشيما وناجازاكي، وغيرهم من مجرمي الإبادة الجماعية على مدار التاريخ.
10% ويزيد من أعداد سكان قطاع غزة الضيق والصغير -بحسب قراءات حقوقية وإنسانية دولية- باتوا ما بين مفقودين أو ضحايا لأبشع جريمة شاهدها العالم "الإنساني" على مدار 470 يومًا دون أن يُحركوا ساكنًا أو يقفوا كجدار متين يحول بين المجرم الصهيوني والضحايا الفلسطينيين.
على الجانب الآخر من المعركة، فقد شكل صمود وثبات وتحدي ومقاومة الفلسطينيين الذين وقفوا بكل صلابة في مواجهة حرب الإبادة بصدورهم العارية، شكل أداة إفشال لمخطط تهجير واقتلاع آلاف البشر من مدنهم وقراهم.
غير أنه وأسوة بأي حرب، فإن معادن الناس تظهر وقت الأزمات، فمنهم من تجده صلبًا عنيدًا مستميتًا في دفاعه عن الأرض والعِرض رغم إدراكه بالمصير المحتوم في نهاية المطاف لكل من يتحدى المحتل وأعوانه -وهذا الصنف على شاكلته الكثيرين-، ومنهم من ترك الموقع الذي كان يشغله ما قبل الحرب كضابط أو مسئول تخصص وغيره، وصنف ثالث وجد ضالته في الانتعاش والاكتساب من معاناة الناس والعربدة عليهم وانتهاك حرمات بيوتهم وممتلكاتهم بالسرقة والاعتداء ورفع الأسعار من قبل من جعلوا من أنفسهم -تجارًا- خلال الحرب بينما هم من أفجر الفجار.
إننا كبلدٍ وكي تستحق التقدير والاحترام وليبقى العالم ينظر إلينا بعين العزة والكرامة فيجب أن يكون من أول أولوياتنا بعد الحرب للنهوض بسرعة بعد استخلاص العبر الكثيرة القيام بالتالي:
1- الاحتفاظ بصنيع أهل الفضل من الذين بقوا ثابتين شمال قطاع غزة ورفضوا الانصياع لأوامر قوات الاحتلال الإسرائيلي بالنزوح إلى جنوب القطاع، فثباتهم كان السبب الأول في إفشال مخطط تهجير أهالي القطاع، والفضل في هذا السياق لا يعني فقط كونه معنويا، بل وينبغي أن يكون ماديا ما أمكن ذلك.
2- إن المقاومين الأبطال الذين ثبتوا داخل عقدهم القتالية من الجحود معاملتهم كالذين تركوا سلاحهم وميدان المعركة الذي تم إعدادهم وتجهيزه لهم منذ سنوات، والثابتون خلال المعركة هم قادة الغد، أما الذين تولوا الأدبار فليبحثوا لأنفسهم عن مكان آخر يوارون من خلاله سوءاتهم.
3- ما ينطبق على المقاتل والمجاهد يجري على الشيخ والطبيب والشرطي وغيرهم، فالقدوة الحقيقي هو من ثبت في الميدان وعمل ما تتطلبه منه وظيفته، ومحاسبة أو مكافأة كل شخص هي بمستوى منزلته التي كانت، فتولي وهروب القائد ليس كتخلي الجندي عن مكانته.
4- أما اللصوص والتجار الفجار فلا عاشت البلد إن لم تقم بمحاسبتهم حسابًا عسيرا، وأنا لستُ صاحب فتوى، غير أن ما فعلوه هو الحرابة في أبرز تجلياتها، والحرابة حدّها واضح وصريح.
نحن قادرون على النهوض ببلدنا بدرجات لم تحدث في اليابان والصين، لكن الأمر منوط بإجراء المحاسبات والمراجعات والتقييمات الحقيقية لحرب كانت هي الأكبر والأشد في تاريخ الشعب الفلسطيني، فإن قمنا بذلك فالنجاح حليفنا، أما إن دخل -جبر الخواطر- في مراجعاتنا فعلينا وعليكم السلام.