كثيرون
هم أولئك الذين يتساءلون مِراراً عن سبب بعض الضوابط اللغوية في لغة الضاد ، لا
سيّما أنها لغة القرآن الكريم ، و كذلك هي من اللغات الفريدة في العالم و التي
تتميز بتغيّر حركة آخر الأسماء فيها حسب موقعها في الجملة ، و هذا ما لايحدث في
جُلّ لغات العالم ..
فتجد
عُشّاقَ العربية يسألون خبراء النحو و الصرف عن سبب رفع الفاعل مثلاً ، أو نصب
المفعول به ، و لماذا لا يكون العكس على سبيل المثال ، و من أين اكتسب المضاف إليه
حالة الجر .. و هكذا ..
و ربما
يكون سؤالهم هذا هو من قبيل النادرة و النكتة لا أكثر ، و ربما يكون جدّيّاً ، و
في الحالتين يمكن القول أنّ الإجابة على مثل هذه التساؤلات متوفرة في أروقة
العربية ، و هي تُرضي كلا الطرفين ، سواء الطرف المُمازح أم الطرف الجاد ، كيف لا
و هي اللغة التي تحدى بها الله العالم أجمع ، بل و طلب منهم الإتيان و لو بآية
واحدة فقط تماثل ما جاء في الكتاب المقدّس ..
و إليكم
سيّداتي و سادتي بعض المصادفات العجيبة بين ما فرضته اللغة العربية مِن رفعٍ و
نصبٍ و جر ، و علاقة هذا الأمر مع جملة العادات و التقاليد في مجتمعاتنا العربية
الناطقة بهذه اللغة ..
أولاً :
لماذا يكون الفاعل مرفوعاً ؟!!
إنّ أي
إنسان في المجتمع تُوكَل إليه مهمّةٌ ما ، و يقوم بفعلها و إنجازها ، فهو يصبح
عالي المقام في نظر أنصاره ، سواء كانت هذه المهمة صالحة أم فاسدة ، و بالتالي فهو
(مرفوع) المقام ، فالعمل الصالح يرفع من قيمة صاحبه ، و كذلك الأمر ذاته
ينطبق على النقيض تماماً ، فالعمل السيّء يرفع من مقام صاحبه لدى دعاة الشر ، و
الدليل على ذلك ما ورد على لسان إخوة سيدنا يوسف عندما تآمروا على قتله ، فقالوا
فيما بينهم :"اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم و تكونوا من
بعده قوماً صالحين" ، و هنا نلمس أنّ الصلاح في نظر أصحاب الشر هو عمل صالح
يرفع من قدر صاحبه ، و من هنا يكون الفاعل في حالتَي الخير و الشر مرفوع المقام ،
و بالتالي لِزَاماً على لغة الضاد أن ترفع الفاعل ، طالما أنه مرفوع المقام لأنه
أنجز المهمة بنجاح ..
ثانياً :
لماذا يكون المضارع مجزوماً إذا سُبِق بحرف جزم ، إما بالسكون أو حذف النون ، أو
حذف حرف العلة ؟؟
في
المنطق العربي كل إنسان أو جهة أو دولة تتخذ قراراً سيادياً بعيداً عن التبعيّة
لأحد ، تكون ذات رفعةٍ و قدرٍ مرفوع بين الناس ، أمّا إذا اتخذت قرارها بناءً على
مصالح أسيادها فإنها لا تستطيع أن تحرّك ساكناً بوجود الأسياد ، و بالتالي تخسر
رفعتها و قيمتها و هيبتها بين العالمين .
و هذا هو
حال الفعل المضارع ، عندما يأتي في الجملة دون تبعيّة لأي حرف ، فهو مرفوع المقام
، سيّد الجملة ، ذو قرار سيادي محترم ، فنقول على سبيل المثال : يقدّمُ الطالبُ
الامتحان ، فالمضارع جاء مرفوعاً بناءً على سيادته و عدم تبعيّته لأحد .
أمّا عند
دخول جيش الجزم و الحزم إلى حرمِ دولة الفعل المضارع ، فهو يخسر قيمته التي رفعته
و يلتزم الصمت احتراماً لوجود أسياده في الجملة ، بل لا يحرك ساكناً قط ، فنقول
على سبيل المثال : لم يعملْ ، لا تفعلْ ، فسكون المضارع هنا جاء بناءً عل اقتحام
حرف الجزم للجملة ..
حتى لو
حاول المضارع الاستعانة بأنصاره لمواجهة آلة الجزم و الحزم ، فإنه لا يستطيع
على الإطلاق لأنّ محارمه قد انتُهِكَت ، فَنُون الأفعال الخمسة التي كانت حاضرة في
حالة الرفع و السيادة ، تهرب إذا ما لاحقتها أجهزة الجزم القمعية ، لأنها على لا
تقوى على مواجهتها ، فنقول على سبيل المثال : (يعملون) قبل دخول حرف الجزم / (لم
يعملوا ) بعد دخول الجزم و فرار النون ، تدرسين / لا تدرسي ..
و كذلك
هو الحال مع حرف العلة المسكين ذي المرض و الأوجاع و العلل ، الذي لا يقوى على
مواجهة الجزم و الحزم ، فسرعان ما يهرب من ميدان المواجهة ، تاركاً خلفه سلاحه
الفردي الخفيف ( الفتحة أو الضمة أو الكسرة ) الذي يشير إلى استسلامه و هزيمته ،
فنقول : يرى ، و بعد دخول الجزم : لم يرَ ، و هنا نلاحظ فرار حرف العلة تاركاً
خلفه ما يدل على فراره و هو الفتحة ..
ثالثاً:
لماذا يكون المبتدأ معرفة و ليس نكرة في الجملة الاسمية ، باستثناء بعض الحالات
الشاذة ؟!!
في
الجملة الاسمية ركنان أساسيان ، المبتدأ و هو اسم معرفة ، و الخبر و هو نكرة ، و
عادةً ما يكون الخبر بمثابة حُكمٍ على المبتدأ ، على سبيل المثال : "الرجال
قوّامون على النساء" حُكم شرعي / "الحج أشهرٌ معلومات" ، حكم شرعي
أيضاً / المطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء ، حكم شرعي أيضاً ..
و خارج
نطاق الشرع ، تجد أنّ الحُكم ينطبق على المبتدأ من خلال الخبر ، فحُكم الرسوب واقع
على الطالب عندما نقول : الطالبُ راسبٌ في الامتحان ، و حُكمُ الفصاحة واقعٌ على
الشاعر عندما نقول : الشاعرُ فصيحٌ في قصيدته ..
و السؤال
المطروح الآن : هل يستطيع المرء إطلاق الأحكام في المجتمع على شيء نكرة لا يعرفه
من قبل ؟! و هل القاضي يتمكن من إصدار حُكمه على القضية مالم تكن القضية معروفة
بالنسبة إليه من كافة النواحي ؟! و هل تُقبَل شهادة الشهود في العُرف مالم يكونوا
على معرفة تامة بالشخص المقصود ، بحيث يكون هذا الشخص معروفاً تماماً بالنسبة لهم
؟!
و من هنا
جاءت إلزامية تعريف المبتدأ من أجل أن نستطيع إصدار الأحكام عليه ، و إلّا ما
استقامت اللغة العربية إذا بُنِيَت على حُكمٍ باطل ..
رابعاً :
لماذا تنصب الأفعال المشبهة بالفعل المبتدأ حين دخولها على الجملة الاسمية ، بينما
تنصب الأفعال الناقصة الخبر ؟
عندما
كنا طلاباً صغاراً كان أساتذتنا الكرام يشرحون لنا درس الأفعال الناقصة و الأحرف
المشبهة بالفعل ، على أنّهما ضيفان عزيزان على الجملة الاسمية ، أمّا أحدهما
فيتزيّن المبتدأ بثيابٍ جديدة لدى استقباله ، في حين يتزيّن الخبر لدى استقبال
الآخر ، و بهذه الطريقة قفزت المعلومة إلى أذهاننا و استقرت حتى اليوم ..
و السؤال
المطروح : لماذا تنصب الأحرف المشبهة بالفعل المبتدأ ، في حين تنصب الأفعال
الناقصة الخبر ؟
لدينا في
المثل الشعبي ما يقول : الطيور على أشكالها تقع ، و لأن الأفعال الناقصة هي
(ناقصة) في مسمّاها ، فمن الطبيعة بمكان ، أن يخرج لاستقبالها الخبر النكرة
الذي هو في مستواها ، بينما يتجاهلها المبتدأ و كأنها لم تأتِ نهائياً ، لأنّ
مكانتها منقوصة تعادل مكانة الخبر النكرة الذي لا يعرفه أحد ، في حين تأخذ الأحرف
المشبهة بالفعل مكانةً مرموقة بعد تشبّهها بالفعل الذي هو ركن أساسي من أركان
الكلم ، فالحرف القليل منها هو بمثابة فعل كامل ، و بالتالي يخرج لاستقبالها
المبتدأ المعرفة ذو المكانة العالية في المجتمع ، و الذي استحوذ على صدر الجملة
الاسمية دون الخبر النكرة ..
و لعل
هذا يدخل ضمن بروتوكولات الاستقبال الرسمي لدى غالبية الدول ، فإذا كان الضيف
رئيساً مُهَاباً يخرج لاستقباله رئيس الدولة المُضيفة بنفسه ، و إذا كان
الضيف دون ذلك ، فربما يخرج لاستقباله معاون نائب رئيس البلدية أو مساعد أول في
الجيش ..
خامساً :
لماذا تعتبر القاعدة أنّ الجمل بعد النكرات صفات و بعد المعارف أحوال ؟؟
المتعارف
عليه أنّ الجملة الفعلية أو الاسمية العائدة إلى اسم نكرة قبلها هي صفة ، و أمّا
العائدة إلى اسم معرفة قبلها فهي في محل نصب حال ، و لكنْ لماذا ؟ لماذا لا يكون
العكس على سبيل المثال ؟؟
من
المعروف في مجتمعاتنا أنك إذا صادفتَ شخصاً تعرفه و بينكما معرفة مُسبقة أن تسأله
عن حاله ، فتقول له : كيف الحال ؟ لأنك تعرفه و هو بالنسبة لك ( معرفة) ، أما إذا
كان هذا الشخص لا تعرفه ، كشخصٍ يجلس بجوارك في القطار ، فليس من المنطق أن تسأله
عن حاله قبل أن تعرف من هو و ما صفته ؟ فإذا تشكلت المعرفة بينكما فيصبح بمقدورك
أن تسأله عن الحال ، ففي حالة النكران و عدم المعرفة تسأله عن صفته ، و بعد
المعرفة تسأله عن الحال ، أضف إلى ذلك أنه إذا خاطبك بطريقة استفزازية و تريد أن
تحط من مكانته و تجعله نكرة ، فإنك تقول له : إنت بأي صفة عم تحكي معي هيك ؟ أو
بصفتك شو عم تحكي معي هيك ، لأنه نكرة بالنسبة لك ، و لم تقل له : انت بأي حال عم
تحكي معي هيك .. إذن لاحظ كيف أنك استخدمت بشكل عفوي كلمة صفة لنكرانه ، بينما
تحفّظت على استخدام كلمة الحال الا إذا كان معروفاً بالنسبة لك ..
و هكذا
ندرك عفوية اللغة العربية ربما ، و التي انتقلت من أفواه العامة الذين يتعاملون
معها بسهولة ، إلى دواة النحويين و علماء اللغة الذين أسّسوا لهذا علماً عرمرماً ،
مليئاً بالقواعد المستقاة من جزيرة العرب ، و حتى لو كان هذا التجانس هو من باب
الصدفة ، فإنه يُضاف إلى روائع اللغة العربية التي جمعت بين الجد و الطرفة ، كي
تُمتِع الجميع بجِدّها و نادرتِها ..