كاللامبالي أو اللامكترث ، راح ولي
العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يحط رحاله في عدة دول عربية ، ضمن جولةٍ
إقليمية أقلقت خصومه في الشارع الشعبي و في دهاليز السياسة أيضاً ، و كأنّ تلك
المظاهرات الشعبية التي خرجت في مصر و تونس و غيرها و التي تندد بهذه الزيارة ، لم
تشكّل لولي العهد ما يكلّفه شيئاً من الوقت أو مجرد التفكير ، بل راح يقابل
الزعماء العرب في مشهدٍ يبعث على الطمأنينة و السكينة لأنصاره في الشارع العربي ،
فهاهو الأمير يطوف اليوم على البلدان ، و يتمّ استقباله كوليّ للعهد ، و لتذهب كل
تلك الصيحات التي راحت تلاحقه إلى الجحيم ..
ثلاث رسائل يريد ولي العهد السعودي إيصالها إلى الأصدقاء و الخصوم من خلال هذه الزيارات المتعاقبة و هي :
الرسالة الأولى : إلى أولئك الذي
أزعجوا الكون كله بجريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في
إسطنبول ، و راحوا يسخّرون جُل إمكاناتهم الإعلامية لتسليط الأضواء على هذه
الجريمة ، و الحيلولة دون دخولها مرحلة الطي و الكتمان ، كما حصل مع جرائم سابقة
مماثلة تقريباً ، فاليوم و بعد أن راهن الكثيرون على أنّ محمد بن سلمان أصبح في
مأزق حرج و غير مرحّب به في الأوساط الدولية ، يطل ولي العهد و يدحض كل هذه
المزاعم و كأنه يقول لهؤلاء : اذهبوا أنتم و كل ما قلتموه و ما بذلتموه إلى الفناء
، و ربما تعتبر هذه الجولة بمثابة انتهاء لقضية خاشقجي و دخولها مرحلة الطراوة
تمهيداً لوضعها في ملف الأرقام ، أو كأنها صكّ براءة منحه الزعماء العرب لولي
العهد السعودي ، و إلّا كيف يستقبله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي و الرئيس
التونسي الباجي قايد السبسي رغم كل الأصوات التي طالبت بمنع وصول طائرته إلى
عواصمهم ، و لكنها في النهاية حطت و حطّ معها أقوال و آراء سياسية كثيرة ..
الرسالة الثانية : إلى السياسيين الذين راحوا يقولون أن الأمير محمد بن سلمان عاجز اليوم على استعادة الدور القيادي للمملكة العربية السعودية بعد حملة التطبيع الأخيرة بين المملكة و دولة الاحتلال الإسرائيلي ، و بأنّ السعودية غير قادرة على الظهور بمظهر القائد الحقيقي للعالَم الإسلامي و استعادة عافيتها ..
فالرئيس المصري أكّد خلال اجتماعه مع
ولي العهد السعودي على متانة العلاقات بين البلدين ، و شدّد أيضاً على قضية أمن
الخليج و رفض التدخلات الإيرانية التي تزعج المملكة العربية السعودية ، و أكد على
استمرار وقوف مصر إلى جانب المملكة في مواجهتها لأزمات المنطقة ، و الأمر ذاته
تكرر أيضاً في تونس خلال استقبال الرئيس التونسي لولي العهد السعودي ، و كأنّ
المملكة ماتزال بخير و ما تزال هي صاحبة القرار السيادي في المنطقة ، و كل ما قيل
عن تراجع دورها بفعل التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي هو مجرد أوهام غير حقيقية
أو مجرد كلام إنشائي و خطاب مستهلك يُقال على بعض الفضائيات في محاولة يائسة
لاستهداف المملكة ..
الرسالة الثالثة : إلى الخصوم
الدوليين الجُدُد لولي العهد الذين ظهروا حديثاً في صُلبِ الدول الصديقة للملكة و
في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الأوروبية التي فرضت عقوبات
اقتصادية و عسكرية على السعودية بعد جريمة اغتيال خاشقجي ، و راح تتهم ولي العهد
بالمسؤولية المباشرة عن عملية الاغتيال هذه ، و التستر عليها و محاولة الهروب منها
، و ذلك بعد سلسلة تحقيقات قضائية أجرتها السلطات التركية و أثبتت من خلالها أنّ
هناك ضلوعاً ربما يكون مباشراً لولي العهد السعودي في جريمة اغتيال خاشقجي و
إخفائه للجثة و التخلص منها لدفع كل الأدلة و البراهين التي تدينه في هذه الواقعة
..
اليوم يمضي ولي العهد السعودي و يجتاز الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه ، و يغادر سماءه باتجاه بوينس آيرس للمشاركة في قمة مجموعة العشرين ، رغم كل الأصوات المطالبة باعتقاله على خلفية مذكرة بحوزة السلطات القضائية الأرجنتينية حول دور ولي العهد السعودي في ارتكاب جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية في اليمن ، و تورطه المحتمل في قتل معارضين سعوديين و في مقدمتهم جمال خاشقجي ، و رغم مطالبة المدير التنفيذي لهيومن رايتس ووتش سطات الادعاء الأرجنتينية بضرورة معاينة دور محمد بن سلمان في جرائم متعددة منذ عام 2015 ، و أيضاً رغم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي قال فيها أنّ برنامجه في قمة مجموعة العشرين قد لا يسمح بعقد لقاء ثنائي مع ولي العهد السعودي ، في محاولة منه للتهرب من لقائه و لاسيما بعد سلسلة انتقادات واسعة لترامب بسبب تراخيه الواضح و مرونته مع ولي العهد السعودي بعد اغتيال جمال خاشقجي الحاصل على حق الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية ..
اليوم يمضي ولي العهد و يحث الخطا
لإيصال هذه الرسائل الثلاثة ، و لكنها و إنْ وصلت و نجح الأمير في مهمّته هناك
أمرٌ واحد يلاحقه و لن يجد له تبريراً مهما طاف و ارتحل و هو : لولا السعودية
لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة..