لماذا يدعم الغرب إسرائيل؟

نشر 14 أكتوبر 2018 | 08:49

عقد عدد من الفلسطينيين، من فلسطين التاريخية وبلدان اللجوء والشتات، من المشاركين في "ملتقى فلسطين"، ورشة عمل (استانبول 21ـ22/9)، لمناقشة مختلف جوانب الوضع الفلسطيني، تم التوصل في ختامها، وبنتيجة حوارات سابقة (في حيفا والقدس ورام الله)، إلى عدد من التوجهات والتوافقات السياسية، بناء على الأسس الآتية:

أولاً، ملتقى فلسطين" هو منبر للحوار، وتبادل وجهات النظر، وبمثابة ورشة تفكير دائمة، يعبّر عن مواقف الأفراد المشتركين فيه، في الجوانب المتعلقة بشعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية، دون أن يعني ذك تشكيل كيان سياسي، أو ادعاء البديل أو التمثيل أو الوصاية على أي أحد أو جهة، وهو مبادرة تحاول التعامل بمسؤولية وطنية وعقلانية مع التحديات التي يواجهها شعبنا وقضيته وحركته السياسية في كل أماكن تواجده الرئيسية، كعشرات المبادرات الناشئة في مختلف التجمعات الفلسطينية. 

ثانياً، ما يميّز الملتقى المذكور، الذي تم الإعلان عنه عشية الدورة السابقة للمجلس الوطني (أبريل الماضي)، أنه يضم شخصيات من كل "المجتمعات" الفلسطينية (في فلسطين التاريخية وبلدان اللجوء والشتات)، من غير المنضوين في الفصائل، وأنه يسعى لاستعادة فئات كانت أقصيت أو ابتعدت عن العمل السياسي المباشر (أكاديميين ومثقفين وكتاب وفنانين وإعلاميين ونشطاء سياسيين)، في تجاوز لنقص، أو تقصير، في حركتنا الوطنية، التي لم تستوعب فلسطينيي 48 في إطاراتها، تأكيداً منه على وحدة شعبنا، وفي سعي منه لاستعادة فئات فاعلة من شعبنا لدائرة الفعل الوطني، للتعبير عن رأيها كجماعة، بعد أن ابتعدت او ابعدت، لقصور في البنى الفصائلية، وافتقادها للمأسسة والحياة الديمقراطية. 

ثالثاً، يسعى " ملتقى فلسطين" إلى مراجعة تجربتنا الوطنية بطريقة نقدية ومسؤولة، مع تفحّص التساؤلات القديمة وطرح التساؤلات الجديدة، على صعيد الشعب والقضية والحركة الوطنية، والمعطيات المحيطة، والمساهمة مع آخرين في صوغ رؤى تجاوب على مختلف الأسئلة، وتعيد الاعتبار للتطابق بين أرض فلسطين وشعبها وقضيته الوطنية.

أما المنطلقات او التوافقات السياسية التي تحكم المشاركين في الملتقى فهي كالآتي:

أولاً، وحدة شعب فلسطين

ـ التأكيد على وحدة شعبنا، في فلسطين التاريخية وبلدان اللجوء والشتات، ووحدة قضيته ومصيره، والتمسك بحقوقه الوطنية المشروعة، الفردية والجمعية، وتأسيس مجمل الرؤى والاجماعات والكيانات السياسية على هذا المبدأ، مع مراعاة خصائص كل تجمّع. 

ـ التمسّك بالرواية التاريخية الفلسطينية، لتعزيز وحدتنا كشعب، وكضرورة لتعزيز هويتنا الوطنية، سيما إزاء ما تواجهه الأجيال الجديدة من محاولات تفكيك وتصديع لهويتنا ووحدتنا، والمساهمة في بلورة مشروع وطني جامع.

ـ السعي لتشكيل شبكات تواصل بين شعبنا في كل أماكن تواجده، وتعزيز العمل المشترك، وصولا لصوغ الأطر الأفضل والأجدى، للتعبير عن وحدته، وإدارة كفاحه، للتصدي للوقائع التي باتت تهددّ شعبنا بالتفكك، بحكم غياب الرؤى الجامعة والكيان الجامع، وأفول البنى السياسية، وتهميش منظمة التحرير، واختزال ولاية السلطة على فلسطينيي الضفة والقطاع، وحال الانقسام، ونشوء أولويات وحاجات تتباين بين كل تجمع وأخر.

ـ منظمة التحرير هي الكيان السياسي المعنوي لشعبنا، وقائد كفاحه، ما يتطلب إعادة بنائها على أسس وطنية، تمثيلية وديمقراطية ومؤسسية ونضالية، بعيداً عن المحاصصة ("الكوتا") الفصائلية، واعتماد وسيلة الانتخابات، حيث أمكن، أو تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال حيث يتعذر ذلك، سيما أن تلك التكنولوجيا باتت تهيئ الإمكانية لهكذا خيار.

ثانياً، على صعيد الكيانات السياسية

يمثل سؤال الدعم الغربي لإسرائيل قضيةً حيويةً للنقاش، كون هذا الدعم شكّل عاملاً رئيساً في نشأة دولة الاحتلال وبقائها. وإلى اليوم، لا تزال دولة الاحتلال ترتبط بشبكة علاقات استراتيجية بالغرب تمثل الفضاء الطبيعي الذي تحتاجه أي دولة للبقاء، ورغم وجود مساحات اختلاف بين حكومة الاحتلال والحكومات الغربية، مثل قضية الاستيطان وحل الدولتين وانتهاك القوانين الدولية، إلا أن الغرب لا يضحي بانحيازه الاستراتيجي لدولة الاحتلال بسبب هذه الاختلافات.

لماذا يحرص الغرب على علاقته الاستراتيجية مع دولة الاحتلال؟ وما هي إمكانية حدوث تحول في هذا التوجه الغربي؟ وما حدود قدرة الحركة المناصرة للحقوق الفلسطينية في كسب مساحات في الغرب وإضعاف الدعم الاستراتيجي الغربي لدولة الاحتلال؟

هناك سبب تقليدي يطرح لتفسير الدعم الغربي لإسرائيل، وهو شعور الغرب بعقدة الذنب تجاه اليهود بسبب المحرقة التي اقترفها النازيون في أوروبا بحقهم في الحرب العالمية الثانية.. هذا الشعور بالذنب قاد إلى الرغبة في التكفير عنه عبر منح اليهود دولةً خاصةً بهم، وحماية هذه الدولة ومدها بأسباب البقاء كيلا تتكرر المأساة ثانيةً، وفي ضوء الصورة النمطية بأن إسرائيل محاطة ببحر من الأعداء العرب الذين يتحينون فرصة الانقضاض عليها وإبادتها، يتعزز الشعور في الضمير الغربي بضرورة استمرار الدعم للأقلية اليهودية المضطهدة وتقويتها؛ كي تكون قادرةً على حماية نفسها من أعدائها.

هذا السبب وجيه، لكنه لا يعطي تفسيراً كاملاً للدعم الاستراتيجي الذي تحظى به دولة الاحتلال من قبل أمريكا وأوروبا. فالغرب ذو سجل حافل من الجرائم ضد شعوب آسيا وأفريقيا في حقبة الاستعمار، وقد قتل ملايين الصينيين والهنود والعرب و الأفارقة، فلماذا لا يشعر الغرب بعقدة الذنب تجاه ماضيه الاستعماري ويكفر عن الأضرار التي ألحقها بالشعوب المستعمرة؟

هناك سبب تحظى به إسرائيل لم تحظ به الشعوب الأخرى التي نالها الأذى على أيدي الغربيين، وهو أن إسرائيل امتداد طبيعي للمشروع الاستعماري الغربي، فهي ولدت من رحم الاحتلال البريطاني لفلسطين، وقبل بريطانيا كان إنشاؤها حلماً في مخيلة القائد الفرنسي نابليون بونابرت. وإسرائيل هي الجسم الغريب الذي يشق الوطن العربي، ويبقي موطئ قدم للمنظومة الغربية في بلاد المشرق، ويثير القلاقل ويشغل العرب عن التوحد في مشروع أممي يقوي شوكتهم ويمكّنهم من منافسة الغرب والتفوق عليه. لذلك، فإن دعم الغرب لإسرائيل هو دعم الأب لابنه، وهذا ما يفسر تغاضي الغرب عن هفوات إسرائيل وعصيانها، فالوحدة العضوية تغفر الخلافات.

تتجلى الوحدة العضوية بين إسرائيل والغرب في تشابه المنظومة القيمية بينهما؛ في قضايا نظام الحكم السياسي والاقتصاد والليبرالية والحريات والمرأة والأسرة، وهو ما يخلق تجانساً شعورياً بين المواطن الغربي ونظيره الإسرائيلي في الوقت الذي يسود فيه نمط ثقافي مختلف في الشعوب العربية.

كذلك، فإن التفوق التكنولوجي والصناعي لإسرائيل يعزز رصيدها النفسي في العالم، فإسرائيل من أكثر دول العالم تطوراً في نظام الزراعة، وهي تصدر خدماتها الزراعية إلى 32 دولةً في العالم، وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد الشركات المدرجة في بورصة ناسداك للتكنولوجيا، بعد الولايات المتحدة والصين، متقدمةً على دول عظمى مثل فرنسا وألمانيا، ومن بين أكبر 500 شركة في العالم؛ تمتلك ثمانون منها مراكز رئيسةً في إسرائيل مثل جوجل وفيسبوك وأبل.

هذا التقدم الصناعي يطبع وجود إسرائيل في العالم المتقدم، ويشجع النظر إليها بأنها شريك استراتيجي كونها تساهم بفاعلية في المنجزات الحضارية، ويعزز ارتباط مصالح العالم بها ويدفع إلى التغاضي عن سياساتها العنصرية الاحتلالية.

هل تعني هذه الأسباب أن انحياز الغرب إلى دولة الاحتلال قدر مقدور لا فكاك منه؟

الغرب غربان، فهناك الغرب الرأسمالي الذي يهتم بمصالحه الاقتصادية ويمثل امتداداً للحقبة الاستعمارية التي استعبدت الشعوب ونهبت ثرواتها؛ هذا الغرب متصالح نفسياً مع المشروع الاحتلالي الاستيطاني لإسرائيل، ولن يضعف انحيازه لدولة الاحتلال في ظل الحالة العربية الراهنة، لكن إذا شهد الوطن العربي إصلاحاً سياسياً ونهضةً اقتصاديةً، وبدأت الشعوب العربية طريقها نحو الاستقلال والإنتاج، فستتكون علاقات جديدة تعزز المسافة الفاصلة بين مصالح هذا الغرب ومصالح دولة الاحتلال؛ كون العرب صارت لديهم أوراق قوة يستطيعون استعمالها لكسب المواقف الغربية لصالحهم.

وهناك غرب المجتمع المدني الذي يهتم بالقيم والحريات وحقوق الإنسان، وتخرج منه مجموعات المناصرة للحقوق وتنشط فيه حركة المقاطعة الدولية.. هذا المجتمع المدني في الغرب إذا قوي أنتج سياسات منصفةً وعادلةً ومنحازةً إلى الحقوق المبدئية، وشكل عامل ضغط على المواقف الرسمية للانحياز إلى المبادئ وإدانة الأفعال اللا أخلاقية. وقد رأينا مثال هذه المواقف في المؤتمر الأخير لحزب العمال البريطاني، والمواقف القوية في الانحياز إلى حقوق الشعب الفلسطيني وإدانة الاحتلال الإسرائيلي.

ما هو الدور المطلوب فلسطينياً وعربياً لعزل دولة الاحتلال وجذب المناصرة العالمية لحقوقنا؟

إسرائيل تستمد شرعيتها من مناخ الخوف، فهي تستعمل الخطاب الأيديولوجي فزاعةً لإثارة العام وحشده لمناصرتها، وكلما نمت مخاوف العالم ساعد ذلك إسرائيل في إقناعه بأنها رأس الحربة في مواجهة التطرف، وأنها حارس بوابة منظومة القيم والحضارة الغربية. لذلك، فإن مصلحتنا تقتضي تعزيز الخطاب الحقوقي بدل الخطاب الأيديولوجي، وهو الخطاب الذي يركز على جوانب العدالة وحقوق الإنسان، ويظهر الممارسات العنصرية والاحتلالية القبيحة لدولة الاحتلال. فنحن لا نعادي إسرائيل لأنها تؤوي اليهود المضطهدين ولا بسبب مساهماتها الحضارية، إنما نعادي احتلالها واستيطانها، وممارساتها العنصرية القبيحة التي تناقض منظومة القيم الأخلاقية.

إن البرهنة المستمرة على انتهاكات الاحتلال للقيم الإنسانية وعلى ممارسته التمييز العنصري؛ هو الذي يسمح بنمو التيارات المناصرة لحقوقنا الفلسطينية، ويضعف من وضوح صورة الدولة المتقدمة العصرية التي تسوقها دولة الاحتلال لنفسها، ويسمح بنمو حركة المقاطعة ونزع الشرعية ويقوي حجة الآمرين بالقسط من الناس.