'المصالحة الوطنية' وهم وسراب ووصاية!؟

نشر 16 يوليو 2008 | 08:46

فاجأ الرئيس محمود عباس الجميع بخطابه المقتضب مساء الأربعاء 5/6/2008م الذي صاغ بعض عباراته بنفسه بعد أن رفض مسودة الخطاب التي قدمت له لاحتوائها على بعض الكلمات (المنفرة) حين دعا إلى 'حوار وطني شامل لتنفيذ المبادرة اليمنية بكل عناصرها لإنهاء الانقسام الوطني الذي ألحق أفدح الضرر بقضيتنا والمزيد من المعاناة لشعبنا في غزة والذي يشكل خطرا أكيدا على مشروعنا الوطني في الاستقلال والحرية وسأدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة' كما جاء في نص الخطاب...وبعد مرور أكثر من شهر على إطلاق المبادرة ، مازال الشعب الفلسطيني يترقب صفارة بدء تحرك قطار المصالحة الذي أظنه يعاني معاناة غزة من الحصار فقطع الغيار غير متوفرة  والوقود شحيح وطاقم القطار منقسم ما بين مستنكف جالس في بيته وبين من ينطح بالصخر لكي يشغله لكن بدون جدوى.

 

والسؤال لماذا لم ينفذ الرئيس وعده الذي قطعه على نفسه حين قال في نفس سياق الخطاب 'ومن أجل إنجاح هذا الحوار فإنني سأتحرك على المستويين العربي والدولي لضمان الدعم والتأييد لهذا التوجه'؟؟

المثل الشعبي (أسمع أقوالك أصدقك أرى أفعالك أستعجب) يتكلم عن الحالة التي كشفتها الأيام الماضية ومنها:

 

1- الرئيس نسف دعوته في اليوم الثاني مباشرة وقضى عليها بالضربة القاضية حين خاطبته الآنسة رايس مستفسرة عن جدية دعوته فطمأنها بأن الحوار مربوط بشروط الرباعية (المرفوضة فلسطينيا) الأمر الذي أخرج الدكتور عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية عن سمته الدبلوماسي مطالبا مؤتمر برلين  الدولي رفع الفيتو عن الحوار ما بين حماس وفتح فردت عليه رايس مسرعة 'على حماس الاعتراف بالرباعية'، مما يدلل بأن ما يجرى وهماً وسرابا وليس حقيقة وواقعا بل هو وصاية أمريكية على المصالحة الوطنية الفلسطينية. هذا ما أكده د. محمود الزهار 'إن فيتو غربي جمد الحوار الوطني الذي عاد للمربع الأول'.

 

2- اللقاء الذي جمع الوفدين (حماس وفتح) في داكار عاصمة السنغال والذي باء بالفشل نتيجة تعنت وفد فتح حين طالب حماس اعتبار حكومة فياض الحكومة الشرعية والاعتراف بكل قرارات الرئيس،وعدم إصدار بيان مشترك مما أثار غضب الرئيس السنغالي عبد الله واد من المهندس حكمت زيد رئيس وفد حركة فتح لتعنته، ومع إصرار الرئيس السنغالي، وافق زيد مع اشتراط عدم الإشارة إلي أنه جري حوار بين وفدي فتح وحماس، والاكتفاء بالقول: إن الرئيس استمع من الوفدين كل علي حدة، وهنا انفجر الرئيس في وجه زيد غاضباً ، وقال له 'إنني أصرّح بما أريد، ولا اسمح لك بأن تطلب مني تزوير الحقائق، وانه ليؤسفني أن أصارحك بأنك لم تكن صادقاً معنا، فقد ادعيت أنك مفوّض، ثم بدأت تتهرّب وتتنصّل من مسؤوليتك، فأنت لم تأت بنية الاتفاق، وإنما لقطع الطريق علي أي اتفاق، أنتم تلعبون لعبة أكبر منكم، وماذا تريدون، وإذا لم تتجاوبوا معنا ، سأخرج إلي الإعلام، وأعلن أن حواراً جري بين الطرفين وأبرز الوثائق الخطية والصور التي تثبت ذلك، وأحمّلكم مسؤولية الفشل'. ومدح الرئيس السنغالي وفد حماس قائلا:' أريد التنويه بأنّ حماس كانت صادقة معنا، وتصرّفت بمسؤولية عالية، فأرسلت وفداً مفوضا رفيع المستوي (عماد العلمي، محمد نصر، وهما عضوا المكتب السياسي)، وكان سلوك الوفد جادا، وتعاملوا بمسؤولية وطنية تجاه كل الاقتراحات، بما فيها الاقتراحات المجحفة'. وأمام هذه الوجبة الساخنة من النقد اللاذع، اضطر حكمت زيد، والسفير في داكار جبر أبو النجا إلي الموافقة علي البيان المقترح ووقّع زيد عليه محرجاً.

3-رفض الوفد الذي زار غزة برئاسة حكمت زيد (رئيس وفد السنغال) مقابلة رئيس الوزراء الفلسطيني السيد إسماعيل هنية رغم أنه هو الذي طلب اللقاء فكانت الثامنة مساء موعد اللقاء، ولكنه ألغاه في اللحظات الأخيرة ونفى أحمد عبد الرحمن وجود ترتيبات رسمية لعقد لقاء بين فتح وحماس بغزة في حين الحكومة وفرت للوفد كل الدعم اللوجستي وسمحت له بمقابلة من يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء في خطوة ايجابية لدعم وتعزيز الحوار المنتظر.

 

4-استمرار إصدار القرارات الرئاسية (خطوة استفزازية لتعكير أجواء الحوار) والتي كان أخرها قبل أيام بترقية وتعيين قضاة بناءً على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى والتي لم يعلق عليها أحد في حين صال وجال أصحاب الأبواق المسمومة في الزيارات التفقدية التي قام ويقوم بها السيد هنية لمقار الأجهزة الأمنية والوزارات المختلفة والتجمعات الشعبية.

 

5-تكريساً وتوسيعاً لفجوة الاختلاف والخلاف ما بين الفريقين أصدر عبد الكريم أبو صلاح رئيس ديوان الفتوى والتشريع قراراً بأن ولاية الرئيس أبو مازن تمتد إلى نهاية ولاية المجلس التشريعي، مما أثار حفيظة حماس فردت عليه برفضها للتمديد وأنها لن تتعامل معه كرئيس بعد 5/1/2009م موعد انتهاء ولايته ، وأكد السيد هنيه في تصريح له هذا التوجه حين قال ( تمديد ولاية الرئيس باطلة قانونياً).

 

6-موافقة عباس على التهدئة ومباركتها لم تأت دون تخطيط تخطيطا جيدًا من عدة جوانب.

أ- كتم النيران المستمرة والمستعرة في القطاع  نتيجة العدوان الصهيوني المتواصل والتي وصل لظاها للرئيس نفسه.

ب- تهيئة الأجواء لتكثيف المفاوضات السرية والعلنية مع الصهاينة والتي كشف النقاب عن بعضها عبر (اتفاق أولمرت –عباس) حول دولة فلسطينية، تبادل أراضي، وإنشاء ممراً آمنا تنقطع مساحته من أراضي الضفة الغربية لحساب المغتصبات الصهيونية هناك، ولقد لجأ السيد عباس للراعي الأمريكي ليمارس دوراً فعالاً في المفاوضات فوافقت الإدارة الأمريكية حسب تصريح نبيل أبو ردينه الذي قال فيه' إن المفاوضات مع إسرائيل ستستأنف في الولايات المتحدة بعد 10 أيام'.

 

ح- الوقوف بحزم في وجه مطلقي الصواريخ من غزة وتصريحه الذي اعتبر كتائب شهداء الأقصى محلولة ولا يوجد بغزة ما يسمى بكتائب شهداء الأقصى تابعة لحركة فتح، لسد الطريق على الأجنحة المتمردة داخل فتح صاحبة النظرة البسيطة السطحية،وهذا ما أكده أحمد عبد الرحمن' فتح تدعم التهدئة وتعتبر بيانات تبني صواريخ مزورة ومدسوسة و كتائب الأقصى تم حلها ودمجها في الأجهزة الأمنية في الضفة وغزة.  

 

7- الإسراع في إشغال المقاعد الشاغرة في المنظمة والناتجة عن موت الأعضاء أو الاستقالة عبر دعوة المجلس الوطني للإعداد  لانتخابات أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لسد الطريق أمام أي حوار مستقبلي حول إعادة بناء المنظمة ويقتصر النقاش حول تفعيل المنظمة.

8- موافقة عباس لغزة أولاً والتنظير لها وإقناع الجانب المصري ليقنع بدوره حماس والفصائل المقاومة جاء في سياق الحملة المسعورة على مؤسسات وكوادر حركة حماس في الضفة ولتنفيذ الخطة الجديدة المتفق عليها مع الجانب الصهيوني حول اجتثاث حركة حماس كلياً من الضفة عبر إغلاق ومصادرة ما تبقى من مؤسسات تابعة لحماس أو قريبة منها واعتقال العاملين فيها والتهديد بأن من يدخل أموالاً لحماس أو لمؤسساتها الخيرية يسجن بحكم فعلي 5 سنوات ومصادرة أملاكه لحساب الجيش الصهيوني ، وفي المقابل تقوم السلطة باعتقالات ميدانية مكثفة ويأتي كل هذا تمشيا مع خطة فياض الرامية إلى تكوين شبكة آمان اجتماعية تحت نظر الرئيس ومباركته لها.

 

9- رفض عباس لمقابلة مشعل خلال زيارته لسوريا رغم مقابلته معظم قادة الفصائل مبررا ذلك بأنه لا يريد زيارات شكلية بل يريد لقاءات حقيقية في حين لقاءاته مع الجانب الصهيوني تشهد بجديتها على مدار أكثر من 15 عاما ولم تر الدولة الفلسطينية النور بعد، وقد ذهب الرئيس عباس إلى ابعد من ذلك هو تقديم قادة العدو إلى الزعماء العرب ليصبح 'عرابا فلسطينيا' لعله ينال جائزة دولية للسلام ولا نستبعد بأن يكون قد نقل للرئيس السوري رسالة من أولمرت بخصوص المباحثات السورية الإسرائيلية.

 

نخلص مما سبق بأن الحوار الفلسطيني لم ينضج بعد و غير جدي الآن وسيبقى يراوح مكانه حتى نهاية هذا العام على الأقل(غياب الحكومة الأمريكية الحالية) ولذلك فهو فقاعات في الهواء يهدف إرضاء الأصوات التي تخرج كل فينة وأخرى تنادي بالحوار وإنهاء الانقسام، وليس بأفضل دليل على ما نقول هو ظهور الأصوات (المعروفة للقاصي والداني والمستفيدة من هذا الانقسام) التي تعكر أجواء أي تقارب وطني وتعيدنا إلى نقطة الصفر من جديد.

 فهل من نور يأذن بميلاد مجموعة وطنية غيورة تمتد لتضغط على الأيادي الممدودة ليعيدوا للوطن مجده وكرامته وأرضه.