من غزة.. شكرا قطر

نشر 21 فبراير 2018 | 08:48

للعرب مع فلسطين مواقف وتحركات، منهم من اقتصرت مواقفه منذ احتلالها على الخُطب الرنانة، ومنهم من دعمها بالمال، والبعض جعل من أراضيها محطات انطلاق لأهل فلسطين لتحرير الأرض من دنس الاحتلال الصهيوني، وهذه المواقف لا يُنكرها إلا كل لئيم، رغم أنها تقع في إطار الواجب الشرعي والديني تجاه فلسطين، كونها أرض الإسراء والمعراج، أولى القبلتين، وفيها دُفِن العشرات من كرام الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم-.
  
في المواقف العربية، وإن كانت المواقف الرسمية ليست على المستوى المطلوب "إلا لمن رحم الله"، فإن الشعوب وحتى وقتٍ قريب -قبل ملاحقتها من قبل العديد من الأنظمة العربية- جعلت أموالها تصب لصالحِ الفلسطينيين، أملا بأن تكون في كفة ميزانهم عند الله يوم القيامة، ولكون الواحد فيهم بمساهمته لتحرير "أولى القبلتين" قد نال بعضا من أجر عدم القيام بالجهاد لتحريرها بالسلاح، كواجب ومهمة تقع على كاهل كل المسلمين.
   
منذ أن فازت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بالانتخابات التشريعية الفلسطينية في العام 2006م، قرر رئيس الوزراء حينها إسماعيل هنية والعديد من وزراء حكومته القيام بجولة عربية على الزعماء والقادة والأشقاء، انطلاقا من المسؤولية العربية تُجاه فلسطين، بعضهم أكرم الضيافةَ له، وقدم الوعود الكبيرة بالدعم ماديا ومعنويا، لكن قطر "وللتاريخ" أجزلت العطاء منذ تلك الفترات، وأنشدت للوفد الزائر من أرض الرباط:
     
بالله تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل
صبوها للناشاما ع ظهور الخيل 
قهوتنا للأجوادي أول بادي
للي ناره وقادي في ظلام الليل
      

مضت السنوات تِباعا، حوصرت غزة، وتعرضت للحروب من قبل الاحتلال الصهيوني، ومن قدم الوعود بالأمس ليته بقي صامتا على ما يجري، بل تكشفت الحقائق، ليجد الفلسطيني أن ثمة سهما وخنجرا قد أصابه في ظهره بينما كان جسده المُنهك يواجه الاحتلال وحيدا في ميدان المعركة، التفتَ الفلسطيني في حينها ليجد بأن ذلك السهم أطلقه زعيمٌ عربي استقبل "هنية" في العام 2006م، وقدم له فنجان قهوة "الضيف"، ووجد بأن من يُمسك بالخنجر أسقاه في ذلك العام فنجان "الضيف".
     
وبينما رفض الفلسطيني رغم سهمٍ وخنجر أصابه في ظهره، الدفع عن نفسه، وأبقى وجهة سلاحه صوب عدو الفلسطينيين والعرب، جاء من بعيد فارسٌ عربي أصيل، أسقى وفد غزة في ذلك العام فنجان "السيف"، وشمر عن سواعده وقرر الوقوف إلى جانب غزة، بدءا بوسائل إعلامه التي فتحت المساحات الواسعة لتغطية جرائم الاحتلال في غزة، وليس انتهاء بإنشاء الطرق الواسعة في القطاع المُحاصر، وآلاف الشقق السكنية، والمنح الدراسية، والمساعدات الطبية وغيرها. تقدمت قطر فقدمت ما عليها من واجب في الوقت الذي صمت الكثير من العرب والمسلمين، أو تآمروا على غزة، ووضعوا أيديهم في يد المحتل الصهيوني، تقدمت فسجلت اسمها في التاريخ الفلسطيني وأثبتت بأنه "لا يستوي من أنفق قبل الفتح بالذي لم يُنفق" ماديا ومعنويا.
    
إن سألتم التاريخ فسوف يُجيبكم عن الشوارع الكبيرة التي شقتها قطر وعبدتها في قطاع غزة على امتداد آلاف الكيلومترات، وإن سألتموه سيُخبركم عن المستشفيات والمنشآت والشقق السكنية، وإن سألتموه ستجدون في صفحات عِزه أن أمير قطر "الشيخ حمد" قرر زيارة غزة وسط الحصار، ليدعمها ماديا ومعنويا، وإن تشرفتم بمقابلة أطفال غزة فسيخبرونكم عن دور قطر في تزويد محطة الكهرباء الوحيدة أكثر من مرة بالسولار لتشغيلها، وهو السولار الذي رفضت سلطتنا الفلسطينية إعفاءه من الضرائب رغم أنه وصل إلينا كـ"منحة" لإنقاذ مرضانا من الموت مع الانقطاع الطويل للكهرباء عن المستشفيات.
      
صحيحٌ بأن ما تقوم به قطر يأتي ضمن الواجب والمسؤولية تجاه فلسطين، لكن أرى أنه من أوجب الواجبات أن نشكر قطر حكومة وأميرا وشعبا على دورهم الكبير في عون ومساعدة غزة وفلسطين ماديا ومعنويا؛ فأن تتحرك قطر بينما بات الكثير من العرب يتسابقون ليس في الصمت على جريمة قتلنا، وإنما في التآمر علينا، يصبح الشكر لقطر أقل واجب لأهل الواجب.
         
ثم إن قطر التي تحركت لإغاثة غزة في وقت تتعرض لحصارٍ مشدد، كان من الطبيعي أن تكون معذورة في عدم التحرك تجاه غزة، خاصةً وأن أحد أهم أسباب حصارها يتعلق بتقديمها الدعم في أوقات سابقة لها لتبقى واقفةً على أقدامها مُدافعةً عن الكرامة العربية، وعلى الرغم من ذلك، فقطر قررت عدم الالتفات لحصارها والتحرك صوب غزة، دون التلذذ بمتابعة أنين مرضاها، واستغاثات فقرائها. كل الشكر يا قطر.