غصّت منصّات الرأي
العام ، و وسائل التواصل الاجتماعي بالنقد اللاذع و التحليلات و النقاشات حول ما تضمّنه
تصريحٌ حديثُ العهد ، منسوب إلى رئيس حركة المقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة يحيى
السنوار ، و الذي امتدح فيه قائد فيلق القدس الإيراني اللواء قاسم سليماني ، واصفاً
إياه بأنّه مُحِبّ لفلسطين منذ زمنٍ بعيد ، و مستعدّ لتقديم العون العسكري المباشر
لإنقاذ مدينة القدس من مخططات التهويد ..
ما إنْ لفظَ السنوار
هذه الكلمات ، حتى شنّت حملة واسعة النطاق عليه ، حتى من داخل حركة حماس ذاتها ، و
من قبل أشخاص محسوبين و مناصرين لحركة حماس ، و وصل الأمر إلى إدراجه على لائحة الخارجين
من الملّة ..
لم تكن تصريحات السنوار
هي الحلقة الوحيدة في مسلسل التقارب بين الجانبين ، بل سبقها نماذج عديدة و متنوعة
تظهر حجم التقارب بين حركة حماس و إيران ، كان آخرها الزيارة التي قام بها وفد حماس
إلى العاصمة الإيرانية طهران ، برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري
، و لقاءه بشخصيات إيرانية رفيعة المستوى ، و المقابلات الصحفية المتعددة التي أجرتها
وسائل الإعلام معه ، من أجل تسليط الضوء على هذه الزيارة التي أثارت تساؤلات عديدة
..
نعم ، ربما كانت تصريحات يحيى السنوار قد أخطأت التوقيت ، أو ليست في زمانها الصحيح ، و ذلك بعد دخول المنطقة في أتّون النزاع الشيعي السنّي ، و وصول هذا النزاع إلى درجة الغليان الشديد ، إثرَ تدخّل قاسم سليماني بشكل مباشر في الحرب السورية ، و توجيه أصابع الاتهام له بالضلوع في جرائم حرب في سورية و العراق و اليمن ، و ذلك بعد ظهوره الشخصي في عدة مناطق منها ..
لكنّ السؤال المطروح
الذي لم يجد أصحابه جواباً حتى اللحظة هو : لماذا حرامٌ على يحيى السنوار و حركة حماس
امتداح شخصية إيرانية ، و مدّ جسور التقارب بين حماس و إيران ، بينما يحلّ لدول إقليمية
كبرى في المنطقة أن تقيم أفضل العلاقات مع طهران على كافة الصّعُد ، لا سيما على الصعيد
السياسي و العسكري و الاقتصادي ؟ ألم يكن هناك سبّاقون كُثر ليحيى السنوار ، في تقاربهم
مع إيران ، لكنهم لم يواجهوا النقد ذاته ؟ ألم يُقْسِم وزير الدولة القطري سلطان المريخي
بالله ، أنّ إيران دولة شريفة ، و أنّه من حقّ بلاده إقامة أطيب العلاقات معها في ظل
الحصار المفروض على قطر من قبل أشقّائها الخليجيين ؟
أيّهما أشد فتكاً
، حصار قطر كدولة ، أم حصار غزة كقطاع ؟
و لو تتبّعنا آثار
التقارب القطري الإيراني لوجدنا أنّ الأوضاع تسير على مايُرام بين البلدين ، و ذلك
بعد أن بلغت قيمة الصادرات الإيرانية إلى دولة قطر 140 مليون دولار خلال سبعة أشهر
فقط ، و بعد أن أعلنت كبرى الشركات الإيرانية عزمها دخول السوق القطرية ، ما يبشّر
بدخول العلاقات القطرية الإيرانية مرحلة الازدهار و الرقيّ الواضح .
و ليست قطر هي الدولة
الإقليمية الوحيدة في المنطقة التي تقيم علاقات طيّبة مع إيران ، بل إنّ تركيا أيضاً
تُعتبَر من الدول التي لها مع إيران قنوات
اتصال سياسي و اقتصادي ، بالإضافة إلى حجم التبادل التجاري بين البلدين و الذي يزيد
شهرياً بنسبة 30% حسب قول وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي ، و هناك مساعٍ تركيّة
لمضاعفة حجم هذا التبادل ثلاث مرات ، أضف إلى ذلك الزيارات المتبادلة التي يقوم بها
مسؤولو البلدين على مستوى رفيع ، بل إننا نزيد من الشعر بيتاً لنقول أنّ هناك تعاوناً
عسكرياً واضح المعالم بين إيران و تركيا في العراق ، ضد بعض التنظيمات الكردية التي
تهدد أمن البلدين الجارين ، و قد سمعنا مؤخراً تصريحات لمسؤولين أتراك أكدوا أنّ إيران
دولة إقليمية لها وجودها ولا بد من التعاون معها ، فإذا كانت تركيا و هي دولة عظمى
في المنطقة ، لم تنكر الوجود الإيراني ولم تستغنِ عن الدور الإيراني ، فلماذا يُطلب
من حركة حماس أن تتخلى عن إيران و أن تعاديها و أن تظهر لها الكره و البغض ، في حين
أن حركة حماس كانت على علاقة متوترة مع طهران في فترة من فترات ، مع دخول الحرب السورية
مرحلة السلاح الثقيل ، فكان موقف حماس واضحاً رافضاً لاستمرار تدفق شلال الدم السوري
، و تقاربت مع بعض الأشقاء الخليجيين ، و حاولت الاستغناء عن طهران ، لكنّ هاتيك الدول
لم تكن على قدر الظرف الحمساوي العصيب الذي تحمّل عبئاً ثقيلاً ، بعد اشتداد الحصار
المفروض على قطاع غزة ، و تعالي الأصوات المطالبة برفعه مهما كان الثمن المترتب على
حماس ، و بعد تصنيف حركة حماس على أنها منظمة إرهابية و ليست حركة مقاومة إسلامية
.. و بالتالي لابد لحماس و غير حماس ، أن تحذو حذو الدول الإقليمية التي تقاربت مع
طهران تقارباً ملحوظاً ، دون إنكار الدور السلبي الذي تلعبه طهران في المنطقة ، فكانت
سياسة حماس بأننا نتفق مع طهران في عدد من الملفات و نختلف معها في ملفات أخرى كذلك
، حالنا هو حال كبرى الدول المساندة للمعارضة السورية المسلحة تركيا و قطر ..
و لذلك على أحرار
العالم أن يكونوا مُنصفين إلى حدّ بعيد في مطالبتهم قطع العلاقات مع إيران ، إمّا أنْ
تُصوَّب الحناجر المطالبة بذلك نحو الجميع دون تحيّز أو مراوغة ، و إمّا أن نترك حركة
حماس تصنع علاقاتها مع من تريد ، بما يناسب مصلحتها الشخصية ، كأيّةِ دولةٍ من هذه
الدول ..