عباراتٌ ما أنزل
الله بها من سلطان ، لا غايةَ لها سوى إقحام المنطقة نحو مزيدٍ من التفرقة و التشرذم
، و كأننا عُدنا حَمَلةً لراياتِ البَسوس و داحس والغبراء ، أو عُدنا دعاةً لحرب الفجَار
الجديدة ، أو ربّما جُرنا على أنفسنا و ضمائرنا كي نستعيد رائحة عِطر مَنْشَم ، الذي
كانت نساء الجاهليّة تتقاذفُه في الطرقات ، عند اشتعال الفتن و الحروب ، إيذاناً منهنّ
لبدء الصراع و التفاني في الاقتتال ..
كنا نقرأ عن أدب الثأر في الجاهليّة حينما خِلْناه ماضياً لا عودةَ له على الإطلاق ، و إذ به يغدو أدباً حديثاً معاصراً ، نَقتاتهُ في قرطاس اليوم الذي بُلّ بدماءِ الإخوة بعضهم بعضاً ، كيف لا و كلمات الشاعر الجاهلي أبي أذينة اللخمي في دعوته أبناء عمومه إلى الثأر و متابعة الاقتتال ، تدوّي في أزقّتنا من جديد و لم تندثر بعد ، أو كأنها استعادت عافيتها بفضل ألسنة البعض الذين حشدوا و حشّدوا ، و ضلّوا و أضلّوا عندما تنادَوا إلى الثأر ، لسانُ حالِهم تماماً كلسانِ حالِ الشاعر الجاهلي أبي أذينة الذي راح ينادي في قبيلته طالباً للثأر من قبيلةٍ أخرى كان أفرادها قد استقووا عليهم فيما مضى ، فراح أبو أذينة ينادي في القوم محرّضاً :
وليس
يظلمهم مَن راح يضربهـــــــم
بِحَدّ
سيفٍ بهِ مِن قبلهم ضُرِبــــــــا
قتلتَ
عمراً وتستبقي يزيدَ ! لقــــــــد
رأيتَ
رأياً يجرّ الويلَ و الحَربـــَــا
لا تقطعَنْ
ذنبَ الأفعى و تُرسِلهــــــــا
إنْ
كُنتَ شهماً فَأَتبِعْ رأسَها الذّنَبـــَـا
هم جرّدوا
السيفَ فاجعلهم له جزرا
وأوقدوا
النّارَ فاجعلهم لها حطَبـــــا
علامَ
تقبلُ منهم فديةً و همُ
لا فضّةً قبلوا منّا و لا ذَهِبا
فأنْ تصل شعوبُنا
العربية المسكينة لدرجة التناحر على وسائل التواصل الاجتماعي ، لا يبشّر بالخير على
الإطلاق ، فيتفاعل الكثيرون مع هاشتاغ ( الرياض أهم من القدس) ، ثمّ يطلّ علينا شخصٌ
تارةً مضطجعاً ، و تارةً متنزّهاً ، و أحياناً ممتشقاً نظّارته ، و أحياناً أخرى سافر
العينين ، و كأنه يريد أن يقول لنا إنه مُنعَمٌ و مُترَفٌ و لديه ما يكفيه من الوقت
، ليقذف الشعب الفلسطيني بأسوأ العبارات ، و ينعته بصفاتٍ لا تليقُ بالبشرية ، ثمّ
يردّ عليه فلانٌ و فلانٌ من الطرف الآخر ، مستخدماً الشتائم ذاتها ، و اللسان ذاته
، و يمسّ شعبَ الحجاز الطيّب المعطاء بالسوء
و القدح ، ليتحوّل المشهد إلى مسرحيّة هزليّة ، جمهورُها هم أعداؤنا الذين كانوا هم
المستفيدين الوحيدين من هذه الإبداعات في الشتائم و العِدَاء ..
أليست إسرائيل هي
المستفيد الأوّل من هذا التراشق الكلامي ؟ ألا يعيش الصهاينة اليوم أجمل اللحظات ،
بعدما رأوا بأمّ أعينهم ، شعوبَ القِبلتَين يتفانون في اللّعان و الطّعان ؟ ألا يُعتَقد
أنّ إسرائيل هي من يقف وراء هذه الأحداث المتسارعة في المنطقة ، و التي لا تصبّ إلّا
في مصلحتها و مصلحتها فقط ؟؟
بلى ، إنها الاستراتيجية
الصهيونية الجديدة التي تقوم على مبدأ التفتيت ، و تجزيء المجزّأ ، فبعدما كنا نعيش
رغد الصراع العربي الإسرائيلي ، أبت إسرائيل إلا أن تحرف بوصلة الصراع عنها ، و صبّت
جُلّ إمكاناتها في المنطقة كي تسحب عِدَاءَ الشعوب العربية لها ، من خلال اختلاق أعداء
جديدة لهم في المنطقة ، فاختلقت الصراع السنّي الشيعي ، و الصراع العربي العربي ، و
اليوم تنجح في خلق الصراع حتى ضمن الطائفة الواحدة .
نعم صحيح ، و كما
يقول الهاشتاغ ، فالقدس ليست أهم من الرياض بالنسبة لنا ، و كيف تكون القدس أهمّ من
الحجاز و فيها مرقد النبي محمد عليه الصلاة و السلام ، و الصحب الكرام رضي الله عنهم
، و هي مركز الثقل الإسلامي ؟
مخطئٌ من يحتسب أنّ
الشعب الفلسطيني يمكن أن يفرّط بالرياض ، حتى لو كان هذا التفريط هو سبيله الوحيد لتحرير
فلسطين ، فنحن أبناء لغة الضاد التي تجمعنا ، و زملاء المحراب الواحد ، حتى لو حاول
الحكّام شقّ الصف ، و العودة بالشعوب إلى دائرة الاختلاف التي لا ثبات فيها على الحقّ
..
نعم و ألف نعم
.. الحجاز و القدس هما قُطبَا أمّتنا ، و كفّتاها اللّتان تتناوبان في مواضع العزّة
و الرفعة ، إنِ اضطرّت إحداهما إلى الانخفاض القسري ، علت الأخرى من الجهة المقابلة
ليبقى شيءٌ و لو يسيراً في منابر السموّ و الشموخ ، و كيف لأمّتنا أن تنهض بدون الحجاز
العزيز ، أو بدون القدس الشريف ؟ فلا كرامة لأمتنا إلا من البوابة المقدسيّة الحجازيّة
، التي ستفتح أبوابها رغم أنوف السلاطين ، كي يتعانق الإخوة بعد خلافٍ مرير ، فالصلح
لا يكون صُلباً إلا إذا احتدم الخلاف فيما بين الإخوة ..
لن نسمح لأعدائنا بتمرير هذا المشروع اللعين ، و الذي
يهدف إلى دكّ إسفين النزاع بين الأشقاء الفلسطينيين و أهل الحجاز ، بذريعة التطبيع
، و لن يُرضيَنا استمرار هذا التراشق الفظيع ، الذي يهدف إلى سحب البساط الأخير من
تحت أقدامنا دون أن نشعر ، لأنّ هذا الخلاف لو استمر ، فربّما تخرج الأمور عن السيطرة
، و تتطور لتشمل رجال الدين ، أو ربما المواجهة المباشرة ، فتجد عندها أنّ إسرائيل
بِخُبثها تدعم طرفاً على حساب طرف ، من أجل تأجيج الصراع كعادتِها ، و الخروج
بصيغةٍ ماكرة ، تخلص إلى تخوين أحد الأطراف بسبب علاقته المباشرة مع إسرائيل ، كي يكون
هذا التخوين حجّةً قوية للطرف الآخر ، للانقضاض
على زميله في العقيدة ، و رفيقه في المرام ، بينما تعيش إسرائيل سعادتها الدائمة على
حساب الشعوب التي فقدت لواءها و وحدتها ...