بكل تبجحٍ وأمام
عدسات التلفزة جلس الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" يوقعُ قراره الذي لم يسبقه
إليه أحد من رؤساء بلاده بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وما سيتمخض عنه
من قرار تالٍ بنقل السفارة الأمريكية إلى "عاصمة الكيان الجديدة" بناءً على
قراره الذي لا يعني للفلسطينيين أو المسلمين شيئاً، فما بُني على باطل فهو باطل، والكيان
الإسرائيلي لم نعترف به كي نعترف بعاصمته.
الواضح من القرار
أن الرئيس الأمريكي مهد الأرض العربية والإسلامية للقرار بشكلٍ كبير، فالحروب والانشغالات
العربية هذه الأيام، وحالة الانبطاح والرضوخ للسياسات الأمريكية التي تسيطر على غالبية
زعماء العرب، كانت هي الأرض التي استند إليها "ترامب" جيداً لإصدار قراره،
فانتقل التعامل مع القضية الفلسطينية من وعد بلفور إلى وعد ترامب.
تعامل "ترامب"
مع القدس على أنها مجرد "منتجع" سياحي بالإمكان بيعه وتسويقه، أو فندق وملعب
غولف أوقعه في حرجٍ شديد، فالزعامات العربية الورقية التي صنعها على عينه لم تتمكن
من منع غضبة الجماهير العربية التي نفضت عنها غُبار الذلة والهوان، وأظهرت أنفة وعزة
العربي الأصيل، والمُسلم الذي لا يقبل الهوان وبخاصة حينما يُصيبُ أحد معالم عقيدته
ودينه، بل إن المواطن الغربي الحُر لم يقبل أن يبقى صامتاً على عربدة الإدارة الأمريكية
في المنطقة العربية.
صحيحٌ بأن الكثير
من الزعامات العربية لم تجرؤ حتى على استنكار قرار "ترامب"، غير أنها كذلك
لم تجرؤ على منع الجماهير التي نزلت إلى الشوارع، فمن الغباء وقوف تلك الأنظمة في وجه
غضبة الجماهير، والجميع يُدرك بأن عروش الأنظمة العربية المتواطئة مع سياسات أميركا
ورغم الحماية المتوفرة لها، لن تصمد كثيراً أمام غضبة الشعوب.
إن خروج هذه الملايين
في شوارع البلدان العربية والفلسطينية والإسلامية والأوروبية، حتى وصلت لتحتج أمام
البيت الأبيض نفسه، أثبت مجدداً بأن سياسة ترامب التي استخدمها على مدار سنوات عمره
في امتلاك المنتجعات الترفيهية، والكازينوهات، والفنادق، وملاعب الغولف، والمنشآت الأخرى
في جميع أنحاء العالم، وامتلاكه العلامة التجارية المعروفة، أثبت بما لا يدعُ مجالاً
للشك أن نظر "ترامب" إلى الأعلى على سلم العمل السياسي، في طريقه لإسقاطه
على حلبة القُدس، وهو الخبير المحنك في هزيمة الخصوم على "حلبات المصارعة".
وأمام هذا الواقع
لا بُد من توضيح العديد من المسائل أمام ترامب حتى لا يُغرر به اللوبي الصهيوني الضاغط،
ويجعل نهايته مثل نهاية العديد من زعماء العرب الذين انتابهم "جنون العظمة"
فوق عروش العمل السياسي على حساب الشعوب العربية الأصيلة التي لا تقبل الضيم والذُل
مهما كانت تعيش فصولاً من الحروب والنزاعات أدت لانتشار الأمراض والمجاعات والدماء
في بلدانها.
مهلا يا ترامب، فالخيل
العربية أصيلة، بإمكانها أن تشق صحراء الوجود لتبحث عن كل من أذاقها الذُل والهوان،
وفرسانها أقوياء أشداء في النزال، لكنهم يختارون الزمان والمكان المناسب الذي يقتنصون
فيه الفريسة.
مهلاً يا ترامب إنها
القدس أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالثُ الحرمين الشريفين وفي ترابها مجبولةٌ دماء
آلاف الصحابة والتابعين والمجاهدين، وليس فينا من يقبل بتدنيسها مهما سالت الدماء في
أجسامنا وأجسادنا.
مهلاً يا ترامب،
فهذه القدس وليست مجرد منتجع أو فندق أو ملعب قولف، ابحث لك عن ملعب آخر تُمارس فيها
لعبتك المفضلة، أما إن أردت تحويلها لحلبة مصارعة، فلن يجعلها المسلمون كذلك إنما سيجعلون
من "بيتك الأبيض" حلية للمصارعة ولن يقبلوا أن تكون الحلبة في القدس، فاعتبر
قبل فوات الأوان.
مهلاً يا ترامب،
إن حال الفلسطينيين هذه الأيام يقول بأنهم سيُدافعون عن مسرى النبي محمد "صلى
الله عليه وسلم"، حتى آخر نفسٍ منهم، وسيقفون شامخين شموخ النخل في صحاري العرب،
ولن يرفعوا رايةً بيضاء أو يسلموا بالأمر الواقع وإن وقفت في مواجهتهم الإنس والجن؛
فقط لأننهم يُدركون بأنهم مستخلفين على هذه الأرض وقد اختارهم الله لهذه المهمة الشريفة،
وقد أدركوا حجم وثقل الأمانة فلن يضيعوها.
مهلاً يا ترامب،
ولا تحسبن تواطؤ بعض الأنظمة العربية والعديد من قادة السلطة الفلسطينية يمكن أن يمنحك
وحلفائك من "اللوبي الصهيوني" حقاً في أرض فلسطين، إنما هي أرض وقف إسلامي
لا يقرر فيها إلا المسلمين كلهم، ومن يفرطُ منهم أو يتآمر إنما ستدوسه أقدام الأحرار
وتمضي إلى مبتغاها.