في قريةٍ وادعةٍ
عاش بين أهلها شيخٌ داعيةٌ معروف بين الناس بعلمه وتقواه وورعه وصلاحه، أحبه الناس
كثيراً، وعلى أحرِ من الجمر كانوا ينتظرون محاضراته وينتقلون لها من مسجد لآخر، ففي
كل مرة كانت أعداد المتابعين لمحاضراته التي كان يعقدها في المساجد والمقاهي وغيرها
تزداد، ومع كل محاضرة باتت أعداد الأتباع والمُريدين تتسع باستمرار، فأسلوبه القصصي
والفُكاهي وخفة ظله، جعلت الكثير من أفئدة الناس تهفو إليه، ومع مرور الوقت ذاع صيته
بين الناس، وباتت دعوات استضافته في القرى المجاورة تتطاير عليه باستمرار.11
ورغم محبته من الناس،
إلا أن الله ابتلى الشيخ “مرزوق” بزوجة دنيئة المعشر، كثيرة الشكوى والتذمر، كافرةٌ
للعشير، وكما ذاع صيتُ الشيخ “مرزوق” بين الناس بصلاحه، فقد ذاع كذلك صيتُ الزوجة من
خلال حديث جاراتها عنها واختلاطهم بها، ولما علم رجال الحي بمعاناة ذلك الشيخ مع زوجته
وعدم مقدرته على إصلاح أحوالها، رغم أنه تمكن من إصلاح العشرات منهم مع زوجاتهم، نصحوه
بضرورة تطليقها والبحث عن زوجة غيرها تليق بمكانته وسمعته بين الناس، بل إن بعضهم عرض
بناته عليه للزواج، فهو نعم من يكون زوجاً لفتياتهم.
رفض الشيخ “مرزوق”
نصيحة المُحيطين به، وكان قراره الصبرُ على أذاها، معتبراً أن تصرفاتها كانت بمثابة
بلاء أرسله الله إليه ليصبر عليه، وتكون عاقبته جنة عرضها السماوات والأرض.
ورغم ما وجد الشيخ
من زوجته، إلا أن اليأس لم يدبُ في قلبه من محاولة إصلاحها، وخطرت في عقله فكرة تتمثل
في اصطحاب زوجته معه ذات يومٍ إلى إحدى المحاضرات التي يعقدها للناس ويحضرها المئات
منهم، وحينما تستمع لمحاضرته وأسلوب خطابه للناس، وإقبالهم على حديثه، ومصافحته والابتسام
في وجهه بعد الانتهاء من محاضرته، وطلب عقدها في أماكن أخرى، فمن شأن هذا المشهد تليين
فؤادها وتحسين علاقتها مع زوجها المحبوب من الناس، والذي تتمناه أي فتاة من فتيات الحي
كشريكٍ لها في حياتها.
وذات مساء، أقنع
الشيخ “مرزوق” زوجته بعد طول إلحاح بمرافقته لحضور تلك المحاضرة، وما إن دخل كلاهما
القاعة المخصصة لتلك المحاضرة، حتى أقبل الناس مُصافحين للشيخ، وتهللت أساريرهم بقدومه،
وعلا صوتهم ترحيباً به وتوقيرا. جلس الشيخ وبدأ يتحدث، ويختطف نظره بين الفينة والأخرى
إلى زوجته فيجدها شديدة الصمت والهدوء، وكلما وقعت عينه في عينها هزت رأسها، وشهقت
وزفرت.
وكالعادة انتهت المحاضرة
دون مللٍ من الحاضرين، فأقسم القائمون على المحاضرة من الشيخ “مرزوق” ومن يرافقه بألا
يغادرون المكان دون تناول طعام الغداء، وقد أعدوا وليمة كبيرة تكفل بها مختار الحي،
وهو تصرف دفع الشيخ لأن يهز رأسه، ويُدرك أن هذه المحبة والاحترام الذي أظهره الناس
له في ذلك اليوم لن يدفع زوجته إلا أن تتمسك به بكل ما أوتيت من قوة وغيرة.
ركب الشيخ سيارته
وركبت زوجته في جواره، وبعد أن أدار محرك سيارته سأل زوجته وكله ثقة بأنها غيرت موقفها
منه، وقال لها:
ما رأيك في المحاضرة
وما سمعتِ فيها؟
هزت رأسها واندفعت
قائلة:
لقد كان كل الحاضرين
مؤدبين يصمتون ولا يتكلمون، إلا أنت كنت عديم الأدب وكثير الكلام… فأسقط في يد الرجل
وأدرك أن زوجته لن تُصلحها أي وسيلة من وسائل البشر.
سيطرت حالة من الصمت
على الشيخ “مرزوق” بعد كلمات زوجته الصادمة، وبحكم القراءة والثقافة الواسعة التي يتمتع
بها، تذكر كلمات المستشرق الفرنسي “إتيان ري” حيث يقول: (المرأة لم تُخلق لتكون محط
إعجاب الرجال جميعاً، بل لتكون مصدراً لسعادة رجل واحد)، ليدرك بأن كلمات ذلك المستشرق
لم تُفلح في استمالةِ قلب زوجته نحوه، وبشهادة أهلها وجيرانها وكل من عرفها.
ودون أن ينطق الشيخ
“مرزوق” بأي كلمة داخل بيته، وذهب إلى فراشه، وأخذ يبحث في صفحات عقله العديد من الخيارات
والحلول التي تساعده في تجاوز محطات الحياة المختلفة برفقة شريكة حياة، تتبادله المشاعر
والآراء، وتُحوِل بيته من جحيم لا يُطاق إلى جنة وارفة الظلال، ليكون قراراه الأول
بعد ليلةٍ من التفكير العميق محصوراً في الافتراق عنها وتطليقها، وهو قرارٌ تجاوزه
أكثر من مرة ورفض العمل به بناء على نصيحة كل من عرف مشكلته.
في ذلك الصباح، وجد
أقدامه تستحثُ الخُطى إلى المحكمة الشرعية، وفيها طلق زوجته دون أن ترمش له عين، وهاتفها
لمغادرة بيته إلى بيت أهلها، أما هو فلم تمضِ أيام على مغادرته ذلك المربع، ليدخل في
قفص تمنى أن لو هداه الله إليه قبل تجربةٍ جعلته يكره الارتباط بأي أنثى، خشية أن تكون
كتلك التي ارتبط بها لخمسة أعوام.