ولد كمن يولد كل
الأطفال ؛ ولكن لم يكن يعرف له أبا من كثرة ترحاله، غاب الأب ولم يعد، وانقطعت به السبل
وبقي هو والدته لا يعرفون لهم وجهة، أشتد وجع الأم ولم تجد من يعطف عليها، حملت طفلها
وسارت في أرض الله تبحث عن مكان يأويها ، وبعد يومين وصلت لمكان فيه بعض الخيام ، دخلت
وطلبت الأمان، فكان لها ما طلبت ، أيام ثلاث عاشتها وكأنها لم تكن قد عاشت من قبل.
طرب وغناء ورقص،
ظنت أن هذه طقوس يعيشها أهل هذه المنطقة ؛ ولكنها كانت تلحظ وصول بعض السيارات وتقل
نساء وفتيات ويحملون معهم بعض الأمتعة ثم يعودون في وقت متأخر من الليل ، صمتت ولم
تتحدث بشيء ولم تسأل عن شيء ، وفي نفس الوقت لم تُسأل عن شيء كعادة العرب ، وفي اليوم
الرابع جلست معها الكبيرة وهي سيدة القوم ، وسردت عليها حكايتها وما آلت إليه من حال
، ابتسمت الكبيرة وهزت رأسها ورحبت بها ، وقالت : لا عليك فنحن منك وأنت الآن منا ،
علت وجهها الابتسامة واطمأنت على نفسها وعلى طفلها، وزادت ضيافتها ثلاثة أيام أخر.
الوضع لم يتغير طرب
وغناء ورقص ، وفي تجوالها وعلى طرف من الخيام وجدت صبية من صبايا الحي ، وأخذت أطراف
الحديث معها ثم سألتها : من أنتم ؟ ولماذا هذا الغناء والطرب والرقص ، ابتسمت الصبية
وقالت لها لم تفهمي بعد من نحن ؟ قالت : لا ، قالت نحن (الغوازي)، ردت : (غوازي) ؟
لم أفهم ؟ فقالت لها الصبية نحن من يُفرح الناس في أفراحهم ، نرقص لهم ونغني، تعجبت
وعادت إلى مخدعها، وأخذت تحدث نفسها ، (غوازي )، نرقص ونغني ، ما هذا؟ ، أين أنا؟ وأخذت
طفلها ونامت وفي رأسها حيرة وعالم لم تراه أو تسمع به من قبل.
مضت الأيام الثلاث
الأخرى ، وجاءت الكبيرة ومعها بعض المساعدات وكأنهم عرائس في ليلة الزفاف ، جلسنا معها
وتبادلنا أطراف الحديث ، وطلبت الكبيرة من كوثر أسمعينا والضيفة ما عندك ، نهضت وأخذت
رفيقاتها يدندن ويضربن بكفوفهن وكوثر تتمايل متراقصة وتغني : الطشت قلي، الطشت قلي
، يا حلوة يلا قومي استحمي ، وعلت الضحكات من الكبيرة ومن معها وعلا صوت كوثر طربا
ونهضت عبير وأخذت ترقص ، ومدت يدها وأنظر أليهن جميعا ولا ادري ما المراد ، اعدت يدي
إلى الوراء ، ضحكت الكبيرة وقالت : اتركوها يبدو أن الموقف جديد عليها أو غريب ، ثم
أمرتهن جميعا بالجلوس، رحبت مرة أخرى وابتسمت في وجهي ، وقالت : أيام الضيافة انتهت،
وإذا رغبت في البقاء معنا فأهلا وسهلا؛ ولكن نحن لا يوجد بيننا من لا يعمل، وما شاهدتيه
وما سمعتيه من الصبية هو عملنا ، فكري يا بنتي بما أقول لك وأنت حرة اختاري على مهل
وسأعود لك غدا لتقرري.
غادرت الكبيرة ومن
معها وتركتني في حيرة من أمري ، أتريدني غازية ( راقصة ) وأنا ..، ردت عليها نفسها
ومن أنت ؟ هجرك وتركك وطفلك وذهب بعيدا ، كيف ستعيشين أنت وابنك ، راقصة أو ...، أو
وماذا أو...، يا الله ، ووضعت يداها على رأسها وبكت ، وما الحل ؟ أأجري في البرية إما
الموت أو.. ، ومضت ليلتها وهي على هذا الحال ولم يغمض لها طرف عين ، وعندما اشرقت الشمس
قالت : يا ليتها لم تشرق ، يا ليتها كانت القيامة ، هتف هاتف في نفسها انهضي واجهي
الحقيقة لا مفر، وافقي الكبيرة لا تترددي ، وقت قليل وستأتي الكبيرة أليك ، نفسك ،
عرضك ، ابنك ، فكري في كل ذلك لا مجال للندم وللحسابات الأخرى لا خيار أمامك ، بكت
وبللت الدموع صدرها ، نهض طفلها من فراشه ووجد أمه على حالها والدموع تنهمر أخذ يمسح
دموعها ويبكي ولا يدري لماذا، فلم يدرك بعد ما يجري من حوله ولماذا بكاء أمه، أطعمته
وصرفته للعب من أقرانه ، فالكبيرة على وشك الحضور، لملمت نفسها وهندمت لبسها وسرحت
شعرها ، وعادت لمظهرها الطبيعي في داخلها خوف لا حدود له ؛ ولكنها رغبت أن تكون قوية
وهي تجلس مع الكبيرة .
جاءت الكبيرة هذه
المرة وحدها ، سلمت وجلست ، وسألت : ماذا قلتي؟، ردت وكأن شيئا لم يكن وكأنها لم تسمع
شيئا بالأمس ، ألم أقل لك إذا أردت البقاء فأهلا وسهلا؛ ولكن لا مكان لغير العاملات
بيننا، ولكني لا اجيد الرقص أو الغناء ، ضحكت الكبيرة وقال المسألة سهلة ، تعلمي ،
كيف سيدتي ؟ هذه مهمتي، لا تقلقي ، قولي نعم وكل الامور ستكون على ما برام .
لم تجد بدا من الموافقة
فالخيارات صعبة ، ومرت الأيام وتعلمت ما تعلمه القوم وأصبحت أكثر خبرة ومعرفة من هن
جميعا ، وما من فرح ذهبت إلية إلا ولاقت كل ترحاب وما من فرح طلب منهم أحباءه إلا واشترط
أهله أن تكون على رأسهم جميعا، وذاع صيتها وعندما تُسأل عن اسمها كانت تقول الغازبة.
دبت الغيرة في الصبايا
في قرية الغوازي من الغازية وبدت عليهن علامات القلق والخوف من الغازية الجديدة وأخذن
يكدن لها ويدبرن لها المكائد حتى وصل الامر للنيل من شرفها وسمعتها ، والكبيرة تقدم
لها الحماية وتدافع عنها لأنها باتت عنوان القرية وسعدها ، ولكنها لم تحتمل وبدأ الكيد
يطال ابنها ، فخافت وفي ليلة حالكة الظلمة أخذت أبنها وما سهل من متاعها حمله وبعض
مما حصلته من رقصها ، وأنسلت هي وابنها بهدوء لم يشعر بها أحد حتى وصلت أطراف المدينة
وسألت عن شخص دعاها يوما لزيارته ، رجلا معروفا بين أهل المدينة، وصلت إليه قرعت الباب
، فتح الباب ، نظر إليها الرجل ، أنت، نعم أنا ، رحب بها ، ودخلت وأبنها ، ادخلي هذا
هو بيتك لوحدك ، ادخليه وابنك ، واغلقي عليك الباب ، يبدو انك متعبة ، استريحي وغدا
يكون لنا كلام وحديث يطول ، تركها بعد أن ودعها قائلا: تصبحي على خير ، اغلقت الباب
اغلاقا محكما في بيت رجل لا تعرف عنه شيئا ، نامت وكأنها لم تنم دهرا ، وفي الصباح
، دق الباب ، قالت : من الطارق؟ ، قال: زياد ، قالت انتظر قليلا ، قال : سأضع الافطار
على الباب ، خذيه وتناوليه أنت وولدك... سأعود بعد قليل، قالت : حسنا .
دخلت الحمام وأخذت
حماما ساخنا، و ارتدت بعض ملابسها وابنها ، وانتظرت زياد ، قليلا من الوقت... وزياد
يطرق الباب ، ردت : من ؟ قال: زياد ، قالت : أهلا وسهلا سيدي، أنتظرك في الحديقة فقد
جهزت الشاي لنتناوله معا، قالت: حسنا الآن .
مضى الوقت سريعا
، وقال لها : أنا زياد ، ولكن من أنت ؟ ابتسمت ، وقالت : سأقص عليك قصتي ، سردت حتى
لحظة طرقها الباب على زياد، قال : أهلا وسهلا ، أنا الان الغازية ، وأريد العمل في
واحدة من أماكن الرقص حتى لا احملك من أمري شيئا ، قال : لها بسيطة ، فأنا صاحب مرقص
وكنت بحاجة إلى حسناء مثلك ، قالت له : اتفقنا .
وفي اليوم التالي
أرسل لها مصورا ليأخذ بعض الصور لها وهي ترتدي لباس الرقص وتطهر منه مفاتنها وعمل لها
زياد دعاية تحت عنوان الغازية ، فقد كان لها صيت من خلال حفلات الرقص مع الغازيات ،
وأعلن عن يوم الحفلة الأولى لها عبر وسائل الاعلام ، كانت ليلة لم تشهدها المدينة من
قبل، تجمع المئات على باب المرقص فهم يعرفون الغازية من قبل ، وخرجت الغازية وسط تصفيق
حار وصفارات دل على حب وشوق لها ، ومر بين الصفوف ابن الغازية وداعبته الايدي ، هذا
سلم على ماما وذاك جميل مثل أمك ، وأخر يقبله ظانا انه يقبل أمه، ومضت الليلة ، وغادرت
الغازية مع ابنها، ودخلت البيت، وما ان خلعت العباءة حتى رن الهاتف، أهلا زياد ، كنتي
أكثر من رائعة ، شكرا شكرا زياد، ما رأيك بفنجان شاي في الحديقة، لا لا أشعر بتعب وأريد
ان ارتاح ، نعم .. نعم، إذن تصبحي على خير نلتقي في الصباح ، تصبح على خير زياد.
مرت الايام والغازية
في تألق وكبر شادي ( اين الغازية)، أمي أمي : نعم يا شادي ، أفكر بالسفر والدراسة،
أين يا شادي؟، في موسكو ، موسكو! ، ولماذا موسكو؟ هناك أصدقاء لي وشجعوني على الدراسة
فيها ، نعم نعم كما تريد.
غادر شادي المدينة
، وألتحق بالدراسة ومرت السنوات وأكمل دراسة الماجستير في السياسة والاقتصاد، وعاد
إلى أمه، ولازال ابن الغازية رغم شهادته العليا ابن الغازية، لم يرق له الأمر بعد فترة
وجيزة قرر ترك المدينة وقد جمعت أمه ثروة من الرقص ، وقررت في نفس الوقت التوقف فقد
كبر ولدها وقد يصبح له شأن ولابد من البحث عن مكان لا يعرفنا فيه أحد إنه شادي الذي
من أجله قبلت ما قبلت.
أمي: نعم يا شادي
، رأسي يكاد ينفجر ، لم اعد أحتمل ، النظرات والابتسامات والغمز واللمز، وفوق ذلك لم
ينسوا أنني ابن الغازية ، كفاية يا أمي كفاية ، حضنته وضمته على صدرها وبكت، أمي ما
قلت الذي قلت كي تبكي، أمي أحبك صدقيني ولا أريد أن أعذبك ، ولكن أريد أن استقر أن
أعيش أبتعد عن الماضي ، ابدأ حياتي من جديد ، كرهت ابن الغازية، أنا شادي، شادي يا
أمي.
ودعت زياد، وغادرت
وولدها ، ولم تخبر أحد أين المستقر ، نزلت في أحد الأرياف وقد اشترت بيتا كبيرا وجميلا
، عاشت وابنها وتركت الماضي من خلفها ، حياة جديدة مع شادي ، وانتقل شادي للعمل في
شركة، وشيئا فشيئا وشادي يزداد شهرة ومعرفة بين أهل قريته ، وكعادة القرى الكبيرة جرت
انتخابات في القرية ، وترشح شادي وفاز بعضوية المجلس البلدي وأصبح ذا شأن ومكان ، ثم
انتقل عضوا في البرلمان عن قريته، حتى اختير يوما رئيسا للبرلمان، وفي الاجتماع الأول
تعرف عليه أحدهم ، وأدرك أنه ابن الغازية ، ولكن لسطوته وماله صمت وكتم الامر، ولم
يحدث أحد، ولكن نظراته لم تفارق شادي بشكل ملفت للنظر، دقق شادي النظر، ودار فكره ونظر
، آه إنه هو جار زياد ، وما العمل؟، أأغريه بالمنصب أو بالمال، لا لا هذا لن يجدي،
ما العمل؟ أأتركه .. أأتجاهله .. ، لا لا لن يتركني، أأتركه ليدمرني ويكشف أمري ويفضحني،
سأسبقه وأدبر له أمرا ، ليالي وهو يفكر ما الحل؟ هتف في نفسه هاتف أقتله، كيف أخشى
أن ينكشف أمري وتضيع حياتي، طرق كثيرة لن يعرف بها احد، أقتله ، تخلص منه، لا لا رأسي
بكاد ينفجر من التفكير، فجأة نهض من مكانه ، نعم ، لن يخلصني منه إلا الموت، ولكن موت
لا ينكشف أمره ، موت بطيء، سم لا ينكشف.
دعاه للعشاء وكان
وحيدا معه ، ووضع السم بيده في كأس الشراب، تناوله والعشاء وانصرف ، لم يظهر عليه شيء
في الأيام الاولى ، وبعد أيام بدأت تتدهور صحته حتى ليلة ما قبل الموت، زاره في بيته
، نظر إليه ، وطلب من الحضور تركه ورئيس البرلمان ، وقال : أصدقني القول ؟ وأي قول؟،
شادي ألا تعرفني؟ ، ألم نلتقي يوما؟، رد عليه : استريح فانت متعب، قال: لا عليك، قالها
وتكاد روحه تحرج ، قال : لا ، ولا تعرف زياد؟، قال: لا ومن زياد؟، شادي ألست ابن الغازية؟
تغير لونه وتمعر وجه ، وقال : ماذا تقول؟ يبدو أن المرض أثر عليك كثيرا والأمور تختلط
عليك، ضحك ضحكته الأخيرة ، وقال : قتلتني يا ابن الغازية، قالها والروح تخرج من جسده.