مع ولادة الحضارة
ولدت ظاهرة الحرب ، والحرب شيء مريع حقاً وهي ظاهرة انسانية ، فالحيوانات لاتشن الحروب
المنظمة في العادة ، وإن الانسان ليدهش عندما يرى قتل الانسان لأخيه الانسان ، والحرب
أفرزت بدورها مرضاً لايقل شقاءً وهو ( الرق ) ؛ فالحرب والرق كانا منذ بزوخ الحضارات
مرضان لعينان ، استطاع الجنس البشري التخلص من الأول وهو في طريقه للتخلص من الثاني
. وإذا كان مرض الرق ولد كـ ( اختلاط ومضاعفة ) من مرض الحرب ، فإن السؤال يطرح نفسه
ولماذا ولد مرض الحرب بالأصل ؟؟ وهل يجب أن يقتل الانسان أخاه الانسان ؟؟ فالحرب تقوم
على الافناء المتبادل وسفك الدماء ، وكانت هذه التهمة هي التي وجهت للانسان من قِبَل
الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟؟ )(8) حتى لم تتهم الملائكةُ الانسانَ
بالكفر بقدر اشمئزازها من القتل الذي سيمارسه !! فأين يكمن جذر العدوانية والعنف في
الجنس البشري ؟؟ لقد درس علم الانثروبولوجيا عبثاً هذه الظاهرة من خلال دراسة الفروق
البيولوجية بين الذكر والانثى ، واستطاع أن يضع بعض الفروق الجوهرية ؛ فالبنات يملكن
قدرة كلامية أفضل ولذا فالتليفون هو جهاز انثوي ، والمرأة عندها قدرة أفضل في إثارة
مواضع البحث والنقاش ويميل الرجال للصمت أكثر ، ويتفوق الأولاد الذكور في القدرات الفراغية
والرياضية والحسابية ، ولكن الشيء الذي يرجحه علماء الانثروبولوجيا هو عدوانية الذكور
أكثر ويقروننه بهورمون الاندروجين الذي يفرزه جسم الذكور ( كذا !! ) . وأمام السيطرة
الذكورية في المجتمع يطرح صاحب كتاب ( بنو الانسان )(9) بيتر فارب هذا السؤال : ((
ماهو السر في كون الأدوار الوظيفية العليا والمراكز المرموقة في المجتمع من نصيب الذكور
دوماً ))؟؟
من المهم أن نعرف
أن هذا الوضع هو عالمي قبل كل شيء ، فالحضارة دُشنت منذ أن بدأت رحلتها الأولى بموجب
( قالب ذكوري ) حيث تحولت المرأة إلى الشريحة المستضعفة ، ومن الغريب أن المرأة هي
التي تحمل الذكر في بطنها وهي التي تدفع به إلى الحياة ، وهي التي تغذيه وتربيه ، وبإمكانها
أن تقلب هذا النظام من خلال التربية وفي مدى جيل إلى جيلين إلى صالحها ولكنها وللغرابة
لم تفعل ذلك فلماذا ؟؟
يقوم الانثروبولوجي
( بيتر فارب ) بتحليل لطيف خلاصته أن المرأة هي التي أوجدت هذا النظام لتحمي نفسها
ومجتمعها من الابادة من المجتمعات العدوانية الأخرى ، ولكن _ وهي آلية ذاتية _ طالما
وجد هذا النظام فإنه يكرر انتاج نفسه دوماً .
يقول فارب (( ولعل
أكثر التفسيرات انسجاماً مع المنطق والتحليل هو الذي يرجع أصول سيادة الذكر إلى العراك
الجسدي والمصارعة ، فالأناث باعتبارهن المتحكمات في تربية الصغار بوسعهن تحويل الجيل
القادم .. ولكن هذا يعني أن ذلك المجتمع سيجد نفسه عرضة للابادة من مجتمعات مجاورة
تعتمد على الذكور في القتال ويبدو أن هذه الحقيقة كانت واضحة في أذهان الاناث منذ أن
خلق الله الانسان .. ومن المؤكد أن الاناث قد وصلن إلى هذا الوضع دون أن يعين ذلك
.. وبمجرد أن أعطي الذكور المركز المرموق كمحاربين أصبح ذلك النظام بالضرورة يكرر نفسه
تلقائياً وصار لزاما على المجتمع أن يشجع العدوان في الاطفال الذكور كما كان عليه أن
يكافيء المحاربين الناجحين ، ولعل أبسط طرق المكافأة هي أضفاء هيبة كبيرة عليهم واعطائهم
ميزات متعددة منها ميزات جنسية وحتى يكون ذلك ممكنا لابد أن تربى الاناث على الخضوع
والسلبية )) (10) .
إذن فالنتيجة التي
وصلنا إليها أن عنصر ( الثقافة ) هو الذي يشكل العدوانية ، فلا زيادة هورمون الاندروجين
يكرس العنف ، ولا انتشار هورمون الاستروجين الانثوي ينشر نعومة ( تاتشر ) !! وهذا ما
وصلت إليه باحثة انثروبولوجية هي ( مارجريت ميد )(11) عندما درست ثلاث مجتمعات متقاربة
في غينيا الجديدة ، في مدى مائة ميل من الأرض ، ومن الغرابة أن المجتمع الأول مسالم
بذكوره وأناثه ، والثاني من أكلة لحوم البشر هو النقيض للنقيض من المجتمع الأول ، في
حين أن المجتمع الثالث من صيادي الرؤوس يقوم ذكوره طول النهار بممارسة الغزل والزينة
والتعطر واختيار الملابس والعزف على المزمار على عكس الاناث اللواتي يحملن معظم أعباء
المجتمع . فالثقافة ونظام الفكر السائد هو الذي غير مجتمع عن آخر يسكن نفس الأرض ،
فالمرأة هي التي تحمل المسؤولية التاريخية الآن في تغيير نظام الفكر عند الطفل ، حتى
نتحرر من ثقافة الحرب والبطولة وتكديس السلاح . ومن خلال تدشين ثقافة العنف واختلال
المجتمع في اتجاه ( قوة العضلات ) فإن المجتمع تلون بكامله بهذا اللون الذكوري ، والمؤسسة
العسكرية في العالم هي النموذج المثالي للروح الذكورية (( التي تعتبر نموذجا لجميع
المؤسسات الأخرى وتقوم على الطاعة غير المشروطة وتنتزع من الانسان بعده الانساني الخاص
: أي ذلك البعد المتسم بالاستقلال الواعي والمبادرة والمسؤولية والذي بدونه لايكون
التجمع الانساني الخاص ... إن هذا الاختراع الذكوري المحض يقوض بمقتضى المبدأ نفسه
الذي يقوم عليه كل امكانية حقيقية للدفاع ، أي الدفاع عن استقلال الشخص ضد أي اقتحام
خارجي وأي اضطهاد داخلي ... ومركزية العنف العسكرية هي نموذج لجميع أشكال المركزية
الأخرى الأبوية والبيروقراطية والادارية والبوليسية وحتى التربوية والثقافية ))
(12) فلا غرابة من النتائج المأساوية لسيطرة الروح العدوانية اندلاع الحروب الذي لايتوقف
والذي قد ينهي الجنس البشري في حماقة كبرى . يبدو إذا من خلال هذا الطرح أن العالم
قد رُكِّب على تشوه جنيني حضاري مريع ، ساهمت المرأة من غير وعي منها في تكريسه ، لإن
مفتاح تغييره مازال بيدها ، فهي مازالت لحسن الحظ تحمله في رحمها ، فهي خزان الرحمة
واللطف ، والمشرفة على تربيته وتكوينه النفسي والاخلاقي ، ومازال انجاب المرأة للانثى
مصدر عيب وضعف في كل العالم ، لذا فإن العالم مازال ينتظر تعديل هذا الميزان الكوني
مرة أخرى لتخرج المرأة من أشياء الرجل وملكيته ، لتصبح النفس الانسانية التي بشر بها
القرآن ( خلقكم من نفس واحدة ) ، ودخول المرأة هذا الميدان باستقلال ، ليس في تقليد
الرجل ، ولاكوسيلة بيده ، أو كأفراز من خلال مؤسساته ، ، بل النصف الثاني الشريك الكامل
، والنوعي المستقل ، عند ذاك ستسود ثقافة الرحمة وستزول ثقافة البطولة ،ستقف طبول الحرب
عن القرع ، وسيكف الانسان عن سفك الدماء فيحقق عن جدارة ( علم الله فيه ).