كما هو معلومٌ في
المجتمعات العربية، وبعدما وصلت ابنته لسنٍ تصلحُ للزواج، عاش “مرزوق” أياماً وشهوراً
لتمتد بعد ذلك إلى سنواتٍ وهو يتابع ابنته كلما مرَّت أمامه دون أن يطرق باب منزله
أحد طالباً يدها للزواج.
يُدرك “مرزوق” أن
ابنته ذات مظهرٍ متواضع من الجمال، لكنها ذاتُ دين، وهو “أي مرزوق” من عائلة ذات حسبٍ
ونسب في قطاع غزة، ومع مرور السنة تلو الأخرى، ازدادت الحيرةُ لديه وتسلل القلق لفؤاده
شيئا فشيئا، صحيحٌ أن ابنته كانت من الأوائل على دُفعتها في الجامعة، ولكن هذا لم يُشكل
مفتاحاً لها يُدخلها إلى قفص الزوجية.111
المقارنات التي كان
يعقدها “مرزوق” في كل ليلة بين ما تتميز به ابنته من علم وتفوق في الجامعة وغيرها من
مواصفات الوالد لأبنائه خلال حديثه مع زوجته، وبنات جيلها في حارته وزواجهن منذ سنوات،
لم تكن إلا سبباً في زيادة ألمه على ابنته التي “غادرها قطار الزواج” حسب تقاليد المجتمع
السائدة بعدما حصلت على درجة البكالوريوس في الجامعة.
وكنتيجة لتفوق ابنته
في جامعتها وتقدمها، مقارنة بزميلاتها في تخصصها الجامعي، فقد قامت الجامعة بتعيينها
كمعيدة للعمل في أحد أقسامها، وهو ما استغلته تلك الطالبة النجيبة في تمويل دراستها
لنيل درجة الماجستير، خاصةً وأنها لم تكن تدرِ بأنها السبب المباشر في العصبية الزائدة
لوالدها كلما شاهدها أو جلست أمامه داخل منزله المتواضع.
مرت الأيام وحصلت
تلك الطالبة على درجة الماجستير، وطالب مناقشوا رسالتها بضرورة نشرها لأهميتها ليس
على المجتمع الفلسطيني فقط، وإنما يجب أن يتخطى علمها حدود قطاع غزة وينتقل إلى العالم،
غير أنها بعد الانتهاء من درجة الماجستير باتت تعيشُ حالة من الملل لوقت فراغها الطويل،
وبخاصة في ظل تفشي البطالة وارتفاع نسبته في صفوف الشباب الفلسطيني المحبوس في قطاع
غزة على مدار سنوات الحصار التي طال عمرها.
وفي صباح يومٍ لطيف
الحرارة، حملت الطالبة المتميزة أوراقها والشهادات المختلفة التي حصلت عليها بجهدها
وتفوقها على مدار سنوات عمرها، وطرقت أبواب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين
“أونروا” استجابةً لإعلان وظيفة معلمة أعلنت عنه الوكالة مسبقا.
بعد عدة أيام تقدمت
الطالبة لامتحان التوظيف، فنجحت وتفوقت، ودخلت المقابلة فتفوقت كذلك، وفي اليوم الذي
شاهدت اسمها ضمن كشوف المقبولين للعام الدراسي الجديد، وبعدما بات “الكرت الأزرق” على
مرمى حجرٍ منها، وحينما كانت تجهز عائلتها للاحتفال بقرار توظيفها، طرقت أبواب المنزل
طرقات متتالية.
أسرع الشقيق الأصغر
ناحية الباب ليعرف الزائر الذي أتى دون إذن مُسبق، لتكون المفاجئة بأن ثمة “خاطبةٍ
تطلب الإذن بالدخول!!”.
دخلت الخاطبة.. شربت
قهوتها.. ودون مشاهدةٍ للطالبة النجيبة.. أخرجت ورقةً من شنطتها.. قرأت اسمها، وطلبتها
للزواج من والدتها، وبدأت تسرد مناقب “العريس”.
وفي زحمة حديث الخاطبة
عن مناقب ذلك العريس، طرق الباب خاطبة أخرى، حينها انفجرت والدة الطالبة النجيبة من
المشهد، وأبدت استغرابها الشديد، لتوافد الخُطاب على ابنتها في يوم حصولها على وظيفة
الوكالة “بينما لم يحصل ذلك حينما درست البكالوريوس والماجستير وتفوقها وإشادة المعلمين
بها وغيرها من المناقب”.
وبدأ شجار على العروس
في بيت تلك الطالبة بين الخاطبتين لنيل رضاها وقبولها بعريس دون الآخر، ليتم الزواج
بعد أيام من أحدهم، بينما مضت الخاطبة الثانية للبحث عن العروس الثانية في “كشف المقبولين
لوظائف وكالة الغوث”.
وللأسف ففترة الزواج
لم تستمر كثيراً لتلك الطالبة النجيبة، ومن قاتل قبل أيام على الظفر بها، ألقى لها
الطلاق في منزلها الذي باتت حبيسته بعد أيام من الزواج، فراتب الوكالة لم تقبل بأن
يستحوذ عليه الزوج بالكامل، فكان القرار بالانفصال، فمن خطبها لأجل مالها لم يقبل أن
يقاسمها الحياة على المودة والرحمة.
هي هكذا المعادلة
في قطاع غزة لدى البعض من المقبلين على دخول القفص الذهبي، فـ” بطاقة التوظيف ذات اللون
الأزرق”، قد تكون هي المفتاح لدخول ذلك القفص، والوظيفةُ قد تحول بين العريس والنظر
إلى دين أو جمال، وربما حسبٍ ونسب العروس.