منذ العام 1967م وسمك البحر ينتظر آلاف الجنود الصهاينة الذين حطمت طائراتهم
الجيوش العربية فوق البحر المتوسط، لينال وجبةً دسمة كما كان السمك يستمع لصوت المُذيع
المصري الشهير زمن “عبد الناصر” أحمد سعيد، لكن أخبار الإعلامي “سعيد” لم ترَ أسماك
البحر من ورائها السعادة. مضت هتافات أحمد سعيد عبر أثير إذاعة “صوت العرب”، وبين ليلة
وضحاها “ذاب الثلج وبان المرج”، وعادت الجيوش إلى بلادها مكسورةً مهزومة، بينما كان
الإعلام العربي يخبرنا غير ذلك.1
ورغم هذه النكسة العربية التي ساهمت في صناعتها وسائل إعلامنا، إلا أن
الله بعد سنوات من التيه قيض لنا فضائية الجزيرة، مؤسسة مهنية محترمة ذات رسالة، عرفنا
من خلالها ما يدور حولنا، فابتعدنا عن شاشة تلفزتنا العربية التي لم تكن نشراتها تحتوي
سوى على أخبار “جاء الزعيم” و “استقبل جلالة الملك”، وغيرها، وهي تصرفات أدركنا متأخرين
بأنها لم تكن سوى لتلميع صورة الزعيم القاتمة، فأحوالنا لم تغيرها لقاءات الزعيم أو
اتصالات الملك.
لقد جاءت فضائية الجزيرة لتخبرنا بأن للشعب يجب أن تكون كلمة يسمع بها
ذلك الزعيم أو شقيقه المسئول، كلمة تخبره عكس الذي تصوره فضائية بلاده بأخبارها التي
تحمل توقيع أجهزة المخابرات في البلاد العربية قبل بثها ونشرها، وهي مؤسسة لامعة “أقصد
الجزيرة” أخبرتنا عن الصفقات والأموال العربية وطُرق صرفها وأسباب ما نحن فيه من فقر
وشقاء، رغم أن بلادنا تستقرُ فوق محيطٍ من “الذهب الأسود”.
وليس انتقاصاً من حقها، غير أن قطر لم نعرف بأثرها وأهميتها إلا يوم أن
شقت “الجزيرة” طريقها ثابتة على نهجها “الرأي.. والرأي الآخر”، ويحقُ لقطر أن تفخر
بأن هذه الفضائية تأخذ من أرض هذا البلد قاعدة لإشعاع مبادئها وأفكارها إلى العالم.
مضت الأيام فتزعزت صورة الزعيم العربي في أذهان جماهيره وكشفت “الجزيرة”
ما خلف تلك الصور، فاجتمع الزعماء وتحالفوا واختاروا شخصاً من كل قبيلة، وبدأ تخطيطهم:
ماذا أنتم للجزيرة فاعلون؟
قال قائلهم: أخرسوا صوتها وجففوا منابعها واقطعوا نسلها.
رد عليه آخر: وكيف سنفعل وقد استحكمت في عقول الجماهير، وباتت في المرتبة
الأولى لقائمة الاهتمامات على شاشاتهم الفضية، أرى إن كنتم فاعلين فعليكم بمن يحضن
الجزيرة ويوفر لها الدعم والمأوى. حاصروا قطر.
ومن جانبه قهقه أحدهم: وماذا سنقول للعالم عن سبب الحصار..
مباشرة يرد عليه شيطانهم الأكبر: نبحث عن عدد من الأسباب الهلامية، ونضع
بينها إغلاق فضائية الجزيرة وهذا ما يعنينا..
أجمعوا أمرهم وحزموا أمتعتهم وأصدروا القرار، ومن بعيدٍ اجتمعت قيادة
الاحتلال الإسرائيلي الذي آلمته “الجزيرة” مرات ومرات خلال حروب غزة وحصارها، وفي أحداث
وفاة الزعيم الفلسطيني “ياسر عرفات”، وانتفاضة الأقصى والقدس، ومؤخراً نقلت تلك الفضائية
مشاهد انتصار الفلسطيني الأعزل على الصهيوني المدجج بالسلاح في المسجد الأقصى المبارك،
وهي مشاهد غيرت طبيعة النظرة العربية المتشائمة من إمكانية هزيمة الاحتلال الصهيوني،
بفعل الصورة النمطية التي تركتها في أذهانهم وسائل الإعلام العربية الرسمية.
على مدارِ سنواتٍ كانت تتجرع “إسرائيل” كأس المرارة من نتائج التغطية
المهنية والمسئولة لجرائم الصهاينة في فلسطين، لكن إدارة ذلك الكيان سوقت نفسها بأنها
صاحبة الديمقراطية الأولى واحترام الصحافة وعملها في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من
الشعارات الرنانة، غير أن تصرف العديد من الدول العربية بحق قطر والجزيرة هذه المرة
دفعها لإعادة التفكير، وإخراج الجزيرة بعد إغلاق مكاتبها في القدس.
لقد وجدت “إسرائيل” بأنه لا ضير بأن تجعل من نفسها “ذنباً” للعرب هذه
المرة لأجل مصلحتها الخاصة، وهم الذين كانوا تابعين لها على مدار عقودٍ من الزمن ولا
زالوا لا يقطعون أمراً هي له رافضة، وبدون مقدمات وبعد انتصار المقدسيين في معركتهم
بالمسجد الأقصى مع الاحتلال الصهيوني، جاء قرار وزير الاتصالات الصهيوني أيوب قرا أنه
أمر باتخاذ إجراءات لوقف عمل الجزيرة في “إسرائيل” بحجة دعمها ما أسماه “الإرهاب”.
المهزلة التي احتواها نص القرار هو تلك الألفاظ التي اختارها الوزير الصهيوني
حين أخذ السند من “إغلاق دول عربية ( سُنية) مكاتب الجزيرة لديها وحظر عملها، وهي دول
تُريد “إسرائيل” عقد تحالفات وتحقيق شراكة اقتصادية وإبرام سلام معها، وهي إشارة واضحة
إلى الدول التي تفرض حصارا على قطر منذ أكثر من شهرين!!.
وهل بعد هذه المهزلة مهزلة، فقد أصبح العدو الصهيوني للعرب ذات يوم، هو
الحليف لهم ويقتفي أثرهم بأفعالهم وتصرفاتهم ضد إخوانهم في القومية والدين والمصير
المشترك.
بل إنه لأمر جلل والله أن يقوم قتلة الأنبياء باختيار صفة “الإرهاب” وإلصاقها
بأصحاب الأرض والحق المسلوب منهم، وأن يقوم بتحديد السُني الذي يجب أن يبقى حراً طليقاً
تفتَّح أمامه السدود والحدود ويُفرد السجاد الأحمر له فقط، فالسُني المعتدل حسب الرؤية
الصهيونية هو ذاك الذي يضع يده في يد المحتل، ومن يُحارب المؤسسات العربية التي نفخر
بإبداعها على مستوى العالم، ويقف في خندق المحتل ضن أبناء شعبه وقوميته.