صيادُ المنبطحين

نشر 27 يوليو 2017 | 10:09

الأحداث تلو الأخرى تعرضت لها القضية الفلسطينية، ومع كل مواجهةٍ تعرضت لها القضية تتكشفُ المزيدُ من الحقائق ويختبرُ الفلسطيني المعدن الحقيقي للرجال والهيئات والدول، صحيحٌ بأن المواقف وردود الأفعال التي قد تبدو وتصدر عن البعض تُصيبنا بحالةٍ من الإحباط والتشاؤم كنتيجة طبيعية للخذلان الذي يتعرض له الإنسان، وبخاصة حين يكون ذلك الموقف قد صدر عن إخوان الدين أو العقيدة، وإن شئت فقل من الجيران والذين يشتركون معك في القومية العربية التي عشنا على ألحان أغانيها المكذوبة على مدار عقودٍ من الزمن، دون أن نجد لها أثراً إيجابيا على أرض الواقع.1111

 

تشاءُ الأقدار بأن تتكشف العواصم العربية الواحدة تلو الأخرى، فقد عشنا وتربينا على مدار الزمن بأن جامعة الدول العربية إنما كانت الرائدة في دعم القضية الفلسطينية، وغرس المعلمون في عقولنا بينما كُنا أطفالاً صغار أن الجيوش العربية من دولٍ عدة جاءت صوب فلسطين مُسرعة لتحريرها من العصابات الصهيونية، قبل أن تهرب جيوشها بملابسها الداخلية، وأزكمت أنوفنا الفضائيات الرسمية بأن الأردن هو صاحب الوصاية على المسجد الأقصى المبارك، وصمّوا آذاننا بأن الرياض هي الوصيةُ على أوقاف المسلمين، ولا فرق عندها بين المسجد الحرام وشقيقه “الأقصى”، فأميرها هو خادم الحرمين!!.

 

ويشاء المولى تبارك وتعالى أن تتبدل الوجوه وتختلف السياسات ويُعاد صياغة الأجندة العربية في عهد خليفة العالم “دونالد ترامب”، ويصبح الفلسطيني بينما يقلبُ شاشات التلفزة المختلفة يُدركُ الأسباب الكامنة وراء استمرار الفرقة العربية والفشل في استعادة فلسطين على مدار عقود من الزمن، وما كان يخشى المواطن العربي من إعلانه أو مجرد التفكير به في وقت من الأوقات وإلصاقه بالتخاذل العربي، بات يُعلنه قادة وزعماء، بل وغثاء من الشعوب ومشايخ السلطان من خلفهم بكل وقاحة، ودون خشيةٍ من وصفهم بمطبعين أو متعاونين ومنسقين مع الاحتلال الصهيوني.

 

لا ضير من تكشف الحقائق بفعل السيطرة الكاملة للاحتلال الصهيوني على المسجد الأقصى المبارك ومنع الصلاة فيه كأول مرة في التاريخ منذُ نصف قرن، ومحاولاته المستميتة لفرض سيادته على حرمٍ دفع لبقاء مآذنه شامخة العشرات من الفلسطينيين دمائهم رخيصة داخل باحاته أو بجوار جدرانه وأمام بواباته.

 

خيرٌ كثيرٌ عاد للقضية الفلسطينية من وراء إغلاق المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين، بدلاً من استمرار تعلقها بوهم وسراب “دعم الأنظمة لها”، فقد عرف الجميع أن البوابات الإلكترونية إنما هي كنتيجة اقتراح صادر عن عاصمتين من عواصم العرب، دون أن تنفي ذلك عواصم العرب ما ردده الاحتلال.

 

ما أعظمه من خيرٍ حينما يتساقط العلماء والدُعاة الواحد تلو الآخر بعدما أتعبونا بمواعظهم عن الولاء والبراء، ثم وجدناهم يؤيدون صنيع حكامهم في تؤامرهم على أولى القبلتين، بل ويبدأ واحدهم تلو الآخر بشن الغزوة تلو الأخرى على أهل فلسطين كونهم قرروا الشذوذ عن دول الإجماع العربي في تواطئها للاحتلال الصهيوني وتقديمها المقترحات التي تعزز التدنيس الصهيوني لتلك البقعة الطاهرة في العالم والتي جمعت أنبياء الله تبارك وتعالى في رحابها بإمامة الحبيب محمد “صلى الله عليه وسلم”.

 

لم يكن مستغرباً أن جامعة الدول العربية لا تزال تتشاور حتى الآن فيما بينها لعقد قمةٍ هزيلة تدرس ما يجري في الأقصى المبارك، وكما قال قائلهم “يبدو أن الدماء التي سالت من الفلسطينيين لم تكفِ لتحريكهم، أو إن شئت فقل إن الاحتلال الإسرائيلي لم يطلب تدخلاً عربيا بعد لإخراجه من الأزمة، فالأمور لا تزالُ تحت سيطرته”.

 

ومن غير الغريب كذلك أن يبدأ يجاهر الآلاف من العرب والمسلمين في إعلانهم جهاراً نهاراً وعبر شاشات التلفزة رفض المشاركة في إغاثة المسجد الأقصى المبارك، بدعوى أن من يدعو لنصرته حركة حماس وقطر وتركيا!!، وكأن التدخل لتطهيره مما أصابه من دنس بحاجة لمن يدعو له سواء كان حماس أو قطر وغيرها.

 

لكن وعلى الجانب الآخر، ليطمئن الجميع، فالمسجد الأقصى بحق قد أظهر هذه المرة بصمود أهله ومن نال شرف الدفاع عنه ولو كان بكلمةٍ واحدة “وهذا شرفٌ لا يستحقه الجميع”، أنه “صيادٌ ماهر للمنبطحين”، وهي نعمةٌ أخرى من النعم التي أنعم الله تعالى بها على أهل فلسطين، فإلى جانب كونهم يواجهون المحتل للأقصى وحدهم في الميدان رافعين لواء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الطائفة المنصورة، فهم كذلك بثباتهم ودفاعهم المُستميت عن الأقصى قد كشفوا منافقين كُثر من الزعماء العرب والكُتاب والصحفيين والمشايخ، بل والشعوب أكثروا من بيع شعارات “الدعم والمساندة للقضية الفلسطينية” علينا على مدار عقودٍ من الزمن.

 

ليطمئن الجميع، فالقدس ليست بحاجة لأحد بأن يُدافع عنها، فالله حافظها وناصرُ أهلها بإذنه تعالى، وإن اليوم الذي سيغسل فيه أهلُ فلسطين باحات وجدران المسجد الأقصى سبعة مراتٍ إحداهن بالتراب، بات أقرب إلينا مما نتخيل، وشرف الدفاع عن القدس لن يلحق إلا بفاعله وعلى قدر ما قام به، فمن عظيم فضل الله تعالى على الإنسان أن يجعله في قائمة المدافعين عن القدس وأهلها ويختم حياته بذلك، ومن أشد حالات الغضب الرباني في الوقت الراهن أن يضع الواحدُ فينا نفسه في سفينة الخوالف من الناس الذين ارتضوا لأنفسهم هذه المكانة، بل وجاهروا بها، وفرقٌ كبير من مرتكب المعصية الساكت عن ذلك المجاهر إن كنتم تعلمون أيها القاعدون.