الشيفرة 45 ماذا بعد؟

نشر 18 مايو 2017 | 09:33

على مدار شهرٍ ونصف الشهر عاشت غزة أجواءً غير مسبوقة من الاستنفار والقلق الشديد على كافة المستويات، فالأجهزة الأمنية استنفرت عناصرها "المنهكة أصلاً" بعبء ملفات لا حصر لها تستهدف المواطن الغزي من أطراف مختلفة، غير أن مسألة اغتيال أسيرٍ محرر في صفقة "وفاء الأحرار" في بقعةٍ من الأرض يعتبرها الكثيرون من أكثر بقاع العالم أمناً بالنسبة لمطاردين من قبل الكيان الصهيوني بأجهزته وشبكاته المختلفة في العالم، شكل صفعة وضربة قوية تلقاها أمن القطاع الذي تُديره حركة "حماس" منذ العام 2007م، وهي التي كانت تتباهي باستمرار بحالة الأمن التي وفرتها في قطاع غزة مع تعثرها في توفير الرفاهية والنهضة الاقتصادية بفعل الحصار الخانق المفروض على مواطني القطاع.

 

مضت الأيام تباعاً، ومعها تضاعفت الجهود الأمنية والاستخبارية بهدف الوصول للمنفذ الذي تجرأ على فعلةٍ غريبة وخارجة عن أعراف الشارع الفلسطيني في هذه البقعة الآمنة، ومع هذه الجهود تم توقيف عشرات المواطنين للتحقيق وإغلاق كافة حدود قطاع غزة براً وبحراً، ونشر مئات الحواجز على امتداد شوارع القطاع صحبها تفتيش للمركبات وإحداث تشويش على مصالح المواطنين، الذين تفهم بعضهم هذه الإجراءات وإن كان على مضض.

 

لقد تبين بعد فك رموز هذا الملف أن التطرف الفكري الذي ينتشر في العديد من عواصمنا العربية وتُزهق نتيجته آلاف الأرواح البريئة، تصنعه أجهزة مخابرات عالمية.

ومع هذه الإجراءات انتشر طوفان من الشائعات والأخبار المغلوطة في الساحة الفلسطينية، فما إن تنتهي من شائعة حتى ينتشر العديد منها وهكذا عاش المواطن في دوامة بين تلك الشائعات التي أرهقت الفرق الأمنية العاملة على مدار الساعة، والتي إلى جانب تلك الشائعات كانت تتلقى كذلك المعلومات المكذوبة التي روجها الاحتلال الصهيوني منذ اللحظة الأولى لعملية الاغتيال عبر وسائل إعلامه لتشويش مجرى التحقيق وتأمين مخرج آمن للمنفذين.

 

وبصمت، كانت المعركة تدور بين عقول رجال أمن غزة المحاصرة ورؤوس ضباط مخابرات الكيان الإسرائيلي أصحاب الخبرة الطويلة في العمل الأمني والاستخباري على مستوى العالم، ومع كل يوم كان يطوي صفحته كان أمن غزة يُمسك بأطراف خيوطٍ جديد، حتى وصلت إلى فك تفاصيل الشيفرة 45 التي سبق أن تم الحديث عنها بشكل مسرب من قبل مصادر أمنية مختلفة.

 

ومع حجم المعلومات التي استقاها رجال أمن غزة استناداً على استجواب جيران القائد فقهاء ورفاقه والعشرات من المشتبه بهم بناء على المعايير التي وضعها ضباط أمن غزة لمنفذ أو منفذي الجريمة المتوقعين وأوصافهم وتصرفاتهم، إلى جانب تحليل 36 ألف ساعة تم جمعها من كاميرات مراقبة منتشرة في مناطقة مختلفة من غزة، فقد كان حل لغز الشيفرة كالتالي:

 

1- الإعلان عن الانتهاء من التحقيق في جريمة اغتيال الشهيد القائد مازن فقهاء بعد 45 يوماً من التحقيق والتحليل والمتابعة، أفضت إلى الوصول والقبض على المنفذ المباشر للعملية.

 

2- الإعلان عن توجيه ضربة قوية للشاباك الصهيوني من خلال كشف 45 متعاوناً مع مخابرات الاحتلال ضد مصالح الشعب الفلسطيني بينهم من قام بجرائم كبيرة وهزت المجتمع الفلسطيني وأفضت إلى قتل العشرات من قادة ومجاهدي الشعب الفلسطيني وتدمير عشرات المؤسسات والمصالح الخاصة.

 

3- فك لغز منفذي جريمة الاغتيال، وإن كان العدو الصهيوني اتخذ كل الإجراءات اللازمة للتمويه والتغرير بالمحققين وتأمين خروج المنفذين وعدم معرفة كل مشارك في العملية للآخر أو مهمته، إلا من قبل ضابط المخابرات وحده والذي كان بمثابة الريموت كنترول لكل واحد منهم على حدة.

 

الضربات التي أصابت مرمى الاحتلال الإسرائيلي في الخفاء أكثر مما تم الإعلان عنه هذه المرحلة، وسيكون هناك هجمات مرتدة ستوجع الاحتلال وعملائه المنتشرين.

4- لقد تبين بعد فك رموز هذا الملف أن التطرف الفكري الذي ينتشر في العديد من عواصمنا العربية وتُزهق نتيجته آلاف الأرواح البريئة، تصنعه أجهزة مخابرات عالمية لا يُسعدها عيش العرب بحالة من الاستقرار والأمن، بل إن غزة بأمنها أكدت هذه النظرية بالدليل والبرهان وليس بالخطب والكلام، واختصرت المشهد في نظرية جديدة مفادها "إن الوقوع في وحل العمالة والخيانة وشباك أجهزة المخابرات العالمية خطوته الأولى بالانتماء لأحد التنظيمات المتطرفة"، وإن كان الأمر ليس على إطلاقه، إلا أن ما كُشف في غزة بيّن هذه الحقيقة المؤلمة.

 

5- بعد التعرف على تفاصيل الشيفرة 45 زادت القناعة عند الكثيرين بأن من وقع في براثن الخيانة والعمالة يتصرف بأفعال بعيدة عن الفطرة الإنسانية، فأحد المتورطين في عملية اغتيال "فقهاء" قضى شقيقه في عمليه اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين وهو الذي كان يقوم بمتابعة تحركاته، والشخص الهارب قتل الاحتلال الإسرائيلي في إحدى ضرباته أحد عشر شخصاً من أفراد عائلته بينهم زوجته وأطفاله، وبذلك تتضح درجة الانحدار التي تعيشها هذه الفئة من المجتمع.

 

صحيحٌ بأن أجهزة الأمن التابعة لحركة "حماس" تمكنت على مدار أيامٍ معدودة فقط من إحراز العديد من النقاط في مرمى "الشاباك" الإسرائيلي، غير أن ما قامت به أعاد للذاكرة ألماً كبيراً حين نعودُ بصفحات التاريخ إلى الوراء ونستذكر العشرات من جرائم الموساد والتي جرت على أراضٍ عربية مختلفة وبينها الضفة الغربية المحتلة باغتيال الزعيم الفلسطيني الراحل وقائد حركة "فتح" ياسر عرفات، دون أن يصل الجمهور العربي لحقيقة من يقف وراء تلك العمليات.

 

هذا رغم امتلاك البلاد العربية المنظومات الأمنية من حيث العدة والعتاد الأكبر في المنطقة. إن نجاح أمن حركة "حماس" في أقل من شهرين لفك لغز جريمة اغتيال "فقهاء" والقبض على غالبية المنفذين أوقع حركة "فتح" في حرج شديد أمام أبنائها وهي التي شكلت أكثر من لجنة تحقيق في اغتيال "عرفات" على مدار ثلاثة عشر عاماً ولم تملك الجرأة في الإعلان عن ظروف قتله والمتهمين بذلك!!

 

بصمت، كانت المعركة تدور بين عقول رجال أمن غزة المحاصرة ورؤوس ضباط مخابرات الكيان الإسرائيلي أصحاب الخبرة الطويلة في العمل الأمني والاستخباري على مستوى العالم.

مؤلم للغاية أن نرى العديد من العواصم العربية مفتوحة الأبواب أمام عمليات الموساد الإسرائيلي وتنفيذ الضربات في عقر دارنا، ويبعثُ على الفخر أن نرى غزة تلك البقعة التي ضاقت على أهلها بفعل حصار خانقٍ ومشدد على كافة المستويات، قد وجهت الصفعة تلو الأخرى لهذا المحتل، رغم قلة ما في اليد من عدة أو عتاد وقلة لأعداد رجال أمنها ومحلية عملهم.

 

بعد تفكيك الشيفرة 45 من المؤكد أن عقول أمن غزة لن تتوقف عند هذه المرحلة، وحتماً فما أعلنته من نقاط أدخلتها لمرمى العدو الإسرائيلي لن تكون الوحيدة، فالضربات التي أصابت مرمى الاحتلال الإسرائيلي في الخفاء أكثر مما تم الإعلان عنه هذه المرحلة، وسيكون هناك هجمات مرتدة ستوجع الاحتلال وعملائه المنتشرين في الساحة الفلسطينية على أرض قطاع غزة. ووحدهم من يعلمون بحقيقة هذه الضربات ضباط "الشاباك الإسرائيلي" و "الأمن الداخلي" الفلسطيني.

 

لن يكون إعدام المنفذين المباشرين لعملية اغتيال فقهاء الخطوة الوحيدة التي ستلجأ لها الأجهزة الأمنية في غزة أمام الضغط الكبير من قبل الرأي العام وتفهم أي خطوات يلجأ إليها الأمن في سبيل حماية المنظومة الأمنية التي تتغنى بها غزة أمام كل ضيوفها.

 

الضربات الاستباقية التي ستقوم بها وزارة الداخلية في غزة ستكون هي سيدة الموقف، وسوف تتعدد أشكالها، فالحركة القادمة أو الخارجة من غزة وبخاصة من قبل المؤسسات الدولية، ستخضع لمعايير جديدة تختلف عما كانت عليه في أوقات سابقة من التفتيش والتدقيق والمتابعة، فالأمن لمواطني قطاع غزة سيكون فوق أي اعتبارات أخرى مهما كانت كبيرة.