استوقفني خلال عودتي
لأطفالي بعد انتهاء يوم عمل طويل في فصل الشتاء يصف حاله ومعاناته، كان حاله مُزرياً
للغاية، فالأجواء باردة والأمطار لا تكاد تتوقف، ومعها يهرب “مرزوق” ببضاعته من مكان
لآخر، فإن هدأت الأمطار تربصت به طواقم البلدية، فسلبت بضاعته وأهانته بشكل لا يليق
ببشر، هكذا كان يشكو في كلماته التي اختلجتها العبرات، وكادت دموع عينيه تنهمر بسببها.123
“مرزوق” هو أحد الباعة المتجولون في غزة، ومثله
الآلاف ينتشرون في بلداننا العربية ويتعرضون لأشد ما يواجهونه من السلطات أو طواقم
البلديات، وحكاية هذا الصنف من الناس أنهم لجئوا إلى مهن بسيطة لا تحتاج لرؤوس أموال
كبيرة أو استئجار محلات معينة لعرض سلعهم، وقاموا بهذه المهن البسيطة والصعبة لتجاوز
صعوبات الحياة وتوفير لقمة عيش كريمة لأطفالهم وأبنائهم بدلا من مواجهة الناس بأيد
تطلب من هذا وذاك، وهو مشهدٌ نرفضه وتعافه أنفسنا وكثيرا ما طالبنا بالعمل في أي شيء
بدلاً من طلب المال دون أدنى جُهد.
الكثير من المسئولين
في مبرراتهم بالملاحقة التي يقومون بها للباعة المتجولين، أنها بهدف الحفاظ على المظهر
الجمالي للبلد، وغيرها من المبررات التي قد لا تكون دقيقة في كثير من الأوقات، أو تُكذبها
المشاهد المختلفة غير اللائقة في تلك البلد والتي لا يتسبب بها الباعة المتجولون وحدهم.
قبل عدة أعوام كنت
أحد الذين زاروا الأراضي التركية، وهي بالمناسبة البلاد التي يتغنى بتجربتها التنموية
كافة المؤسسات والهيئات في بلادنا العربية، لكنهم يفشلون بالحذو في طريق الحضارة مثلها.
الشاهد في الأمر أن تلك البلاد ورغم حالة التطور والنهضة التي شهدتها، إلا أنه ينتشر
الآلاف من الباعة المتجولون في شوارعها ويلتقطون أرزاقهم ويبحثون عن لقمة عيشهم لإطعام
أطفالهم دون أن يتعرضوا للملاحقة.
إن الفرق بين بلادنا
العربية والحكومة والرئاسة التركية أننا في أوطاننا اعتبرنا الباعة المتجولون أداة
لتشويه المشهد الجمالي للبلد، لكن العثمانيين الذين نتغنى بإبداعهم كانوا على العكس
منا، فقد جعلوا من أولئك الباعة لوحة فريدة من جمال المشهد التركي.
في غزة مثلاً الحصار
الخانق يضرب أطنابه في هذا الشريط الساحلي، والكثير من الناس العاطلين عن العمل في
هذه البلاد يتعففون عن طلب الحاجة أو المساعدة من الآخرين، ولا يملكون المال الكافي
لافتتاح مشاريع صغيرة لهم، تجعلهم يسترون بيوتهم من شبح العوز من جانب، ومن جانب آخر
يرفعون عن المسئولين في بلادهم عبء تشغيلهم.
صحيحٌ أن الكثير
من الباعة المتجولين الذين يمتلكون مشاريع تعتمد على بيع المأكولات والمشروبات السريعة
لا يلتزمون بشروط السلامة والصحة في بيع منتجاتهم، وصحيح كذلك أن العديد من الباعة
يستغلون أرصفة المشاة بشكل مبالغ فيه ويُعيق حركة المواطنين في المكان المخصص لهم،
لكن لا يمكن التعامل مع هذا الملف بشمولية الضرر من قبل كافة الباعة.
وللخروج بمشهد يحافظ
على المشهد الجمالي للبلد من جانب، ويوفر السلامة للمواطنين في حال شراء بعض المنتجات
من أولئك الباعة، إلى جانب المحافظة على أرزاق أولئك الباعة وعدم محاربتهم في أرزاقهم
ووضعهم في دائرة الاستهداف بالملاحقة من قبل المسئولين فبالإمكان “إمساك العصا من المنتصف”.
ما أقصده، مطالبة
أولئك الباعة بتوفير شروط السلامة ومعايير الصحة لأولئك الذين يبيعون منتجات الطعام
والشراب، وحينما لا يلتزم أحدهم بهذه الشروط والمعايير يتم تنبيهه، فإن لم يلتزم أحدهم
يتم ملاحقته ومنعه من العمل.
أما الباعة لمنتجات
أخرى وعلى أرصفة الطرق فلماذا لا يتم تحديد أماكن ومساحات معينة على تلك الأرصفة، بحيث
نحقق مشهدا جماليا في البلد ونمنح أولئك الباعين فرصة التقاط أرزاقهم وأطفالهم، مع
تأكيدنا عليهم للالتزام بشروط النظافة في أماكنهم وألا تكون بسطاتهم مجرد لافتات لأنشطة
غير مشروعة كتجارة ممنوعات أو القيام بأنشطة تضر بشعبنا الفلسطيني.
إن غزة التي تعيش
الحصار والتضييق ليست سنغافورا، وحينما يقوم المسئول بتوفير الوظائف لأفراد الشعب فسوف
تنتهي المئات من هذه البسطات بدون ملاحقة أو إزالة، فهذه مهن لم يلتحق بها الآلاف إلا
عندما عجزوا عن توفير لقمة العيش لأطفالهم.
أخيراً، على المسئول الذي يفكر بعقله لحل أزمات القطاع
عدم الاعتماد على كتب ومراجع وأبحاث كتبها مؤلفوها في ظروف لا تتشابه بالمطلق مع الحالة
العربية أو تلك التي يعيشها مواطنو قطاع غزة، هذا بالأساس إن كان هذا المسئول معني
بإيجاد حلول لمشاكل البطالة، فتجربة غزة لا تشبه أي مكان يقطنه بشر.