تصعيدُ الاثنين.. المخطط الذي فشل في نصف دقيقة

نشر 07 مارس 2017 | 12:04

المتابعُ للعلاقة الفلسطينية التي تربط العدو الصهيوني منذ عقود من الزمن سيكون ضحية في تقدير مواقف الطرفين حينما تغيب المعلومات الكافية عن حديثه، لكن من يمتلك المعلومة يكون تحليله وحديثه، أو توقعاته الأقرب إلى الصواب.

 

في التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد قطاع غزة والذي دارت أحداثه وتفاصيله يوم الاثنين الماضي الموافق 27-2-2017م، قادة الاحتلال يُدركون جيداً الخطورة الكبيرة فيه، كما يدرك قادة المقاومة الفلسطينية هذا الأمر، فتصعيد الاثنين اختلف كثيراً عما سبقه من أحداث الفعل ورد الفعل.11

 

ولربط الأحداث جيداً، فقبل تصعيد يوم الاثنين الأخير حدث تصعيد يوم الاثنين السادس من شهر فبراير 2017م، والمختلف ما بين التصعيدين أن الرد من قبل الاحتلال الإسرائيلي مقارنة بهذا التصعيد لم يكن فيه أي مجال للمقارنة ما بين التصعيدين، ففي الأول أعلن العدو الصهيوني سقوط صاروخ فلسطيني بمنطقة عسقلان وكان رده في أراضي مفتوحة أو مواقع مخلاة في غزة، أما تصعيد الاثنين الأخير فقد أعلن الاحتلال عن سببه بادعاء سقوط صاروخ فلسطيني بمنطقة زراعية في النقب المحتل، غير أن الرد وطبيعته ولو نجحت “إسرائيل” بالوصول للأهداف التي رصدتها خلال هذا التصعيد، كان من الممكن أن تعيش غزة بفعلها هذه الأوقات في مواجهةً هي الأعنف مع “إسرائيل”.

 

ما بين صاروخي النقب وعسقلان مسافات كبيرة، ومعانٍ أو مقاصد أكبر، فصاروخ عسقلان تم الإعلان عن مكان سقوطه مباشرة بل وتم نشر صوره، أما صاروخ النقب فكان التلكؤ في الإعلان فبداية تحدث الكيان عن سقوطه بأرض زراعية، ومرة أخرى أعلن بالعثور على بقاياه وغيرها من التصريحات غير الموزونة، الأمر الذي يشكك أصلاً بإمكانية سقوط صاروخ النقب.

 

المتغيرات المختلفة التي يجب ألا تغيب عن بالنا قبل الحديث عن التصعيد الأخير، تتمثل فيما سأذكره، ومنه قد نصل لحقيقة لعب “إسرائيل” بالنار في تصعيد الاثنين الأخير رغم إدراكها بأن لهيب النار لن يتركها دون حروق قد تُصيبُ جسمها:

 

1- علاقة “حماس” بمصر وتطوير العلاقات بين الجانبين ولو من خلال التصريحات الإعلامية فقط، جعلت حسابات الاحتلال الصهيوني تصب في جهة إعلان غضبها من ذلك التقارب ونتيجته، ولذلك فحجم الرد على أي صاروخ قد يخرج من غزة بات يأخذ تصعيداً أضعاف ما يمكن توقعه.

 

2- الإعلان عن انتخاب المحرر يحيى السنوار قائداً لحركة “حماس” في قطاع غزة كخليفة للقيادي إسماعيل هنية جعلها “ورغم معرفتها بطريقة تفكيره” تقوم بتصعيد كبير بين الفينة والأخرى، للتعرف على أسلوب العلاقة الذي ستنتهجه حركة “حماس” مع العدو الصهيوني خلال الفترة المقبلة، بمعنى: هل سيكون الرأي في الحركة فقط ما يخرج من جهة السنوار “معروف التفكير لديهم”؟ أم أنه سيبقى يأخذ أسلوب التفكير الجماعي؟. ولعل ما يعزز هذا التوجه حجم الضخ الإعلامي عبر وسائل الإعلام العبرية منذ انتخاب “السنوار” وتشكيل رأي داخل الجمهور الإسرائيلي بأن “القاتل المحترف” في طريقه إليكم.

 

3- الاحتلال الإسرائيلي غير سعيد بالمطلق من التطور في أساليب عمل المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها كتائب القسام والخشية لديه من التطور الحاصل بخاصة على ثلاث أسلحة: تطور طائرات القسام، والأنفاق الهجومية، والضفادع القسامية. حرب الاحتلال متواصلة وترغب بالتصعيد، لاعتقادها أنه الوسيلة الأفضل لإرباك التطور المتصاعد في هذه الأسلحة، ويكفي فقط الإشارة إلى ما حدث خلال شهر فبراير الماضي فقط.

 

أ. ففي يوم الخميس الموافق 15-2-2017م أعلن الكيان الإسرائيلي وصول معدات أمريكية لمحاربة أنفاق “حماس” ضمن صفقة كبيرة، وهو إعلان جاء بعد أيام على استلام طائرات F35 العملاقة وانضمامها إلى سلاح الطيران لديه.

 

ب. أما في يوم الخميس الموافق 23-2-2017 فقد أعن الكيان الإسرائيلي إسقاط طائرة فوق البحر بعد اختراقها لأجواء الكيان الصهيوني، وهو إعلان آخر يؤكد بأن العدو الصهيوني مشغول كثيراً في مراقبة هذا السلاح الذي يعتبره تهديداً كبيراً لأمنه، بعدما ظهر أثره خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014م ونشر صور المواقع العسكرية المهمة والتي تم التقاطها من خلال طائرات “الأبابيل” التي أعلنت كتائب القسام عن تصنيعها وضمها لقائمة أسلحتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

 

في التصعيد الأخير كان واضحاً بأن نتيجته ستذهب بغزة إلى فتح مواجهة كبيرة مع “إسرائيل” قد لا تكون راغبة بها في الوقت الراهن، فحجم الصواريخ كان أكثر مما سبق، غير أن الذي استهدفته طائرات العدو الصهيوني في موقع النصيرات تحديداً تعرف نتيجته جيداً، وحينما فشلت طائراتها في إنجاز المهمة ليس لذكاء منها أو تخطيط من قبل كتائب القسام، اتجهت للخطوة التالية والهدف البديل فاستهدفت نفقاً في محافظة رفح داخله عدداً كبيراً من عناصر كتائب القسام. أقل من دقيقة خرج خلالها الكنز أو الكنوز التي كانت في الغرفة المستهدفة بالموقع، خرجوا لأداء عمل يبعد أمتار عن المكان المستهدف، كانت كفيلة بمنع اندلاع مواجهة جديدة مع غزة.

 

صحيحٌ أن استهداف نفق رفح ورغم العدد الذي كان في داخله وإمكانية إشعاله لفتيل مواجهة بين غزة والاحتلال الإسرائيلي، لكنه ورغم ثقل وزنه إلا أنه أصغر كثيراً من هدف النصيرات وعظيم أثره على كتائب القسام، بل والشارع الفلسطيني الذي كان حتماً سيخرج للشوارع الغزية مُطالباً المقاومة الفلسطينية بالرد على الاحتلال مهما كانت الأثمان، وبكل تأكيد فرغبة الشارع بإشعال حربٍ في الوقت الراهن لن تكون إلا بحدث أكبر من استيعابه من قبل العقل الغزي الذي لم يُعمر بيوته التي دمرتها “إسرائيل” خلال عدوان عام 2014م بعد.

 

في تصعيد يوم الاثنين كانت اللهجة الإعلامية لحركة “حماس” أعلى من السابق، فقد جاء في تصريحها ردا على العدوان “لن نسمح باستمرار استهداف مواقع المقاومة وفرض معادلات مهما كان الثمن”، لكن رغم تصريحات الجانب السياسي لحركة “حماس” إلا أنه ليس بوزن كلمة الجناح العسكري صاحب الفعل العسكري، ففي اليوم الأخير من شهر فبراير أعلنت “إسرائيل” سقوط صاروخ على منطقة النقب غير أنها لم تقم بالرد عليه، وربما التراجع عن سقوطه في وقتٍ لاحق، الأمر الذي يعني دراسة الموقف جيداً من قبل الكيان الإسرائيلي ودراسة التحذيرات التي خرجت من قبل كتائب القسام على لسان ناطقها “أبو عبيدة” فقد كانت الرسالة قوية ووتيرتها مرتفعة: “أي عدوان قادم على غرار ما حدث بالأمس سيكون للمقاومة على رأسها كتائب القسام كلمتها فيه. على ما يبدو فإن العدو لا يفهم سوى لغة القوة والسكوت أحياناً يُفسر من العدو على أنه ضعف”.

 

ما دامت “إسرائيل” أفلتت صيدها الثمين خلال قصفها لموقع القسام في النصيرات، وبعدما فشلت في تحقيق هدفها الاحتياطي باستهداف نفق رفح فهي ترى بأنه لا داعي من زيادة وتيرة التصعيد في الوقت الراهن واختبار تحذيرات كتائب القسام، خاصة وأنها اختبرتها جيداً في أوقات سابقة.

 

إن انتهاء جولة التصعيد الحالية لا يعني بأن “إسرائيل” يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي إن توفر لها هدفٌ ثمين وكبير يمكن أن تقدمه للجمهور الإسرائيلي “قرباناً” للتغطية على فشله في إدارة ملف حرب غزة بعد ما كشفه ما يسمى “المراقب العام للدولة” في الكيان الإسرائيلي عن تلك الإخفاقات في تقريره الذي نشره مؤخراً.