في فبراير 2017م
قفزت داعش إلى عتبة دموية جديدة حين طالبت أتباعها على امتداد الأرض بقتل الشخصيات
الإسلامية وعلماء الفقه وشيخ الأزهر والدعاة المشهورين. كان أحدهم يقرأ الآيات من سورة
التوبة: فقاتلوا أئمة الكفر. هنا يقصد به مثلا الشيخ القرضاوي. لقد وضعوا قائمة بالمطلوب
قتلهم. ثم يعقب اقتلوهم حيث ثقفتموهم. يتابع الداعية في النت: اقتلوهم ولو في بيوتهم.
اقتلوهم ولو بين أهليهم. إنهم أكفر من الصليبيين الغزاة!
هذا التطور ليس جديدا
ويستمد شرعيته من آيات قرآنية من سورة التوبة. وفي الواقع فإن سورة التوبة تحديدا يجب
أن تفهم في سياق الإسلام السياسي وليس السياق الإيماني. أقصد سيادة القانون في دولة
مركزية كما وصل لها رسول الرحمة بإيقاف اقتتال العرب فيما بينهم في ظل دولة يأمن فيها
الناس ويتخطف الناس من حولهم. ومنه جاء في آخر سورة الحجرات ان الأعراب قالوا آمنا
فأجابهم أنهم لم يؤمنوا بل أسلموا. فهذا هو الفرق بين التسليم لدولة مركزية في ظل شريعة
(قانون) يضبط علاقات الناس وبين أناس مؤمنين عقديا. وإذا لم يمكن التفريق بين الأمرين
فإن الخوارج القديمين والجدد (داعش) سوف يختلط الأمر عليهم فيتكلموا على النحو الذي
يقوم به انتحاريو داعش فيقتلوا ويقتلوا بل ويظهرون الجريمة ويوزعونها في اليوتيوب الحديث.
كما رأينا القتل بمسدسات صامتة لاثنين في المنشور الذي أذاعوه.
يروى لنا التاريه
عن (واصل بن عطاء) أنه كان في قوم على سفر فإذا بخيول الخوارج تطوقهم فذعر القوم. قال
لهم واصل لا عليكم ودعوا الأمر لي؛ فلما اقتربوا صاحوا بهم من القوم؟ أجاب واصل: نحن
قوم من المشركين. ولو كان الجواب نحن من المسلمين لقتلوهم!
تابع واصل قد طلبنا
إجارتكم. أجاب مقاتلو الخوارج لكم ذلك. قال واصل: ونريد أن تعلموننا الدين الصحيح فنحن
مشركون لانعلم. وكان يريد أن يستشهد بالآية وإن احد من المشركين استأجرك فأجره حتى
يسمع كلام الله.
قال الخوارج أنتم
آمنون فانطلقوا بحال سبيلكم. قال واصل لا .. قبل أن تسمعونا كلام الله، ثم تبلغوننا
مأمننا. وكان يريد تذكيرهم ببقية الآية ثم أبلغه مأمنه. فالتفت الخوارج الى بعضهم وقالوا
قد صدق الرجل ثم مشوا معهم في حراسة مشددة طول الطريق مجاناً، حتى وصل عطاء وجماعته
بكل دلال حيث يريدون. وهي قصة لايكاد يصدقها الانسان وردت في كتاب الأدب (الكامل) للمبرد.
وقصة الخوارج تروي
أمرين في غاية الخطورة؛ اجتماع التقوى مع الجهل، والتشدد مع سفك دماء المسلمين، وفي
الحديث هلك المتنطعون وإن المنبت لا أرضاً قطع ولاظهراً أبقى.
ويذكر التاريخ أنهم
كانوا مقاتلين أشداء بمن فيهم النساء، وخرجت منهم فرق في غاية الخطر على الأمة الاسلامية
مثل (الأزارقة) لأنهم كانوا يوفرون دماء المشركين ـ كما وردت في خدعة واصل لهم ـ ويستبيحون
ويسفكون دماء المسلمين، وكانوا يؤمنون بالخروج المسلح على الحاكم، ولذلك أتعبوا الدولة
الأموية فنزفت من جراحهم حتى الموت.
والذي يدعوني للحديث
عن هذه الطائفة هو مشكلة التطرف والتشدد الذي هو الطرف المقابل للارتخاء والتميع. وجاء
في الحديث مايصفهم أنهم سيكونون على غاية من العبادة ولكن بدون فقه.
وفي الحديث أن خيار
الناس الذين يدخلون الاسلام يشبهون معادن الذهب والفضة (تجدون الناس معادن فخيارهم
في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا)، وشبَّه الحديث مصير الخوارج مثل السهم الذي
يدخل فريسة الصيد ثم يخرج منه فلا يثبت فيه.
يريد الحديث أن يقول
إنهم يخرجون من الاسلام على نحو غريب غير ظاهر وهو التمادي في الأشياء، لأن السهم يقصد
منه أن يستقر في الصيد، وليس أن يخرج منه، وهم بشدة مبالغتهم في الأشياء أفقدوا أنفسهم
التوازن وخسروا العدل وهو الذي قامت عليه السموات والأرض. (يخرجون من الدين كما يخرج
السهم من الرمية).
ويذكر التاريخ لنا
الشيء الجميل من أدبياتهم مقابل القصص المفزعة من قساوتهم مثل أبو حمزة الخارجي عندما
دخل مكة وخطب فيها يصف أصحابه الذين قتلوا في المعركة من أجل قضيتهم: (فكم من مقلة
أصبحت في منقار طير طالما بكى صاحبها من خسية الله. وكم من كف بانت عن معصمها طالما
اعتمد عليها صاحبها في سجوده. منثنية أصلابهم بمثاني القرآن. إذا مر أحدهم بآية فيها
ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه).
مشكلة الخوارج كانت
في فقد التوازن، في تدين بدون فقه، ولذا اتفق جمهور المسلمين على أن جهاد الخوارج لم
يكن جهاداً، بل خروجاً؛ ومنه أخذوا اسمهم التاريخي، وأصبحت كلمة خارجي لاتوحي بالثقة
وتعني تطرفا يفقد كل توازن ويهوي بصاحبه في مهاوي الردى.
وفي يوم تقابل أربعون
من الخوارج المتحمسين مع ألفين من المرتزقة من جند بين أمية في مكان اسمه (آسك) فغلب
الأربعون الألفين بما زاد عن نصاب الآية أن (عشرون صابرون يغلبون مائتين) فهنا قفز
الرقم إلى خمسين ضعفا؟
وبعد معركة (صفين)
تحديدا انشطر المجتمع الإسلامي إلى ثلاث: من يؤمن بالإرهاب وسيلة للتغيير. ومن يؤمن
بنظرية الدم النبوي. وفريق انتهازي أعاد إحياء روح القبلية وصادر الحياة الراشدية.
وحسب المفكر (مالك
بن نبي) فإن التاريخ الإسلامي ينقسم إلى ثلاث مراحل زمنية تتطابق مع ثلاث مراحل نفسية:
بين انبعاث الإسلام حتى معركة صفين وهي مرحلة تألق (الروح) وبين صفين وابن خلدون مرحلة
(العقل) وهي تمثل مرحلة المحافظة على خط السواء بعد توقف الصعود مثل الطائرة التي تصعد
إلى ذرى الغمام بطاقة صعود ثم تستهلك المعتدل من الطاقة في مرحلة المتابعة. وبين انطفاء
الحضارة الإسلامية ووقتنا الراهن وهي مرحلة انفلات (الغرائز) فعندما تتألق الروح تنضبط
الغريزة وعندما تتبخر طاقة الروح تنفلت الغريزة من عقالها. كما تنحدر الطائرة في نهاية
رحلتها.
وكما كانت رحلة الروح
مفعمة بالطاقة فإن الهبوط لا يحتاج لطاقة. إن رحلة التشظي بدأت من عدم فهم الجهاد النبوي.
وتغيير المجتمع السلمي. والفرق بين الجهاد والجريمة شعرة. كما كان الفرق بين الزنا
والاغتصاب والزواج أقل من شعرة. فكله يقوم على ممارسة عمل جنسي واحد. ولكن الأول يقوم
على السرية والثاني الإكراه والثالث الرضا. والجراح الذي يريد إجراء عملية جراحية في
سوق الخضار يتحول إلى جزار.
ولقد بذل الخوارج
جهودا خارقة للأطاحة بالنظام الأموي ولكن الذي حصل أن الحكومة الراشدية لم تعود وجاءت
حكومة عباسية فرشت السجاد على جثث الأمويين المحتضرين واستخرجت رمم الأمويين من القبور
فشنقتها؟
وعندما يشحن الشباب
بالثقافة التقليدية من فقه العصر المملوكي فلن يوجد سوى عقلية المملوكي. وهذا المنهج
يدرس للطلبة في كل من الجامع والجامعة. وهي انتقام للثقافة المخذولة أصابت إنسان المنطقة
حتى لو كان ماركسيا أو بعثيا. مما يؤكد استيطان الأمراض في الثقافات كما في توطن البلهارزيا
في مصر أو انفجار الطاعون في الهند.
ومن يملأ بيته بكتب
السحرة يتحول إلى ساحر. وفي عالم النحل يتم انتخاب عاملة تغذى برحيق الملكات فتصبح
ملكة بإذن ربها. واعتبر جروباتشوف في كتابه البريسترويكا أن العصر النووي لا تناسبه
أفكار من عصر الغابة والهراوة. وعندما خرج ذهب أصحاب الكهف بورقهم ليشتروا أيها أزكى
طعاما كانت المفاجئة أن عملتهم بعد مضي ثلاث قرون لم تعد صالحة.
وفي يوم دعيت إلى
مسجد في دسلدورف الألمانية فكان الواعظ يتحدث عن دار الحرب ودار الإسلام وأن علاقتنا
بالمانيا واحد من ثلاث" فإما دفعت ألمانيا لنا الجزية أو اعتنقت الإسلام أو أعلنا
عليها الحرب" كان الرجل يتحدث بجدية وهو يختص عندهم في الطب. قلت له ما رأيك لو
أن أمريكا اشترطت على الاتحاد السوفيتي ما تقول هل تتوقع سوى حرب نووية. كان جوابه
الإسلام أهم من الحرب النووية ودمار العالم؟
إن من يتجاهل التاريخ
عقوبته أن يتجاهله الواقع".وإن قليلا من الملح للطعام لا غنى عنه وإن جرعة متوازنة
من التدين ضرروية مثل البوصلة في غابة أو صحراء. ولكن قبضة من ملح إلى الإناء تشبه
التشدد في الدين فلا أرضا قطع ولا طعاما أكل.
وأتذكر في 18 يونيو
2004م حين قامت مجموعة من الإسلاميين المتشددين في الرياض عاصمة السعودية بذبح الأمريكي
جونسون من الوريد إلى الوريد ثم قطعت رأسه مثل الخاروف ثم قامت بنشر عملية الذبح عبر
الانترنيت.
وهذه الحادثة تحتاج
أن توضع للدراسة السيكولوجية المتأنية كما نفعل في المخبر بأخذ عينة من دم المريض بمقدار
بضعة سنتمترات للتأكد من إصابته بالتهاب الكبد الوبائي.
والحكومات في العادة
لا تقاوم الجرثوم المسبب للمرض بل تعالج الحرارة بخافضات الحرارة. وهي معالجة مقبولة
في الطب ويفعلها الأطباء ولكنهم يسمونها معالجة عرضية وليست سببية.
وعندما ترتفع حرارة
الرضيع إلى ما فوق الأربعين يصبح وضع الدماغ حرجاً فيجب إنزال الحرارة بكل وسيلة ممكنة
بما فيها الوسائل البدائية التي كانت تفعلها جداتنا بوضع الثلج على الرأس.
وعندما اصطادت رجال
الأمن بضعاً من هذه الخلايا السرطانية المتمردة على المجتمع فلا بأس. ولكن معالجة القتل
بالقتل وإرهاب الأفراد بإرهاب الدولة يضبط الأوضاع الأمنية ولكنه لا يتخلص من البؤر
الجرثومية الخطيرة في الثقافة.
وكلام من هذا النوع
لا يرضي الحكومات كما أنه يستثير جماعات التطرف والتشدد لشعورها أن الطبيب الفعلي وصل
للساحة للمعالجة.
والأمراض الاجتماعية
مثل الأمراض العضوية بفارق أن المتسبب في الأول (وحدات) من (الأفكار) وأما الكوليرا
والحمى التيفية فسببها (وحدات) من (الجراثيم) من ضمات الهيضة وجراثيم السالمونيلا.
وعندما نزرع في ضمير
الشباب ولفترة أجيال (أفكاراً) من نوع (من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على
شعبة من النفاق) ومثل (ما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل) ومثل (ومن يتولهم فهو
منهم) في الولاء والبراء. فنحن نشكل طاقة تفجيرية يجب أن تجد متنفساً لها.
وما يحدث من صراع
حاليا لا يزيد عن تكرار صراع الخوارج والأمويين. والعباسيين والقرامطة. وحتى يبزغ عصر
العلم والسلم فسوف تتساقط الضحايا من الجانبين.