وسط المهمة

نشر 02 فبراير 2017 | 09:49

جمعني لقاء بصديقي “أبو العبد”، تبادلنا الحوار فيما بيننا وكلٌ يشكو همومه ومشاكله في هذه الحياة التي سيطر على أركانها الحصار المطبق المفروض على قطاع غزة منذ عشرة أعوام وزيادة، صديقي يزداد تواصلي معه خلال الأزمات والكوارث بحكم عملنا نحن الاثنين، فكونه ضابط يعمل في صفوف جهاز الدفاع المدني الفلسطيني وكوني صحفي يعمل على تغطية الأحداث المختلفة في ساحتنا الفلسطينية، خلقت علاقة تبادل للمصالح بيننا في البداية، تطورت لعلاقة صداقة فيما بعد.11

 

في حديثنا سألتُ صديقي عن العام الماضي، وأبرز المواقف التي صادفته خلال عمله وأثرت على نفسه ايجاباً أو سلباً ولا يزال يتذكرها بتفاصيلها جيدا. تنهد وبدأ يسرد تفاصيل تلك المهمة التي كان أحد أفرادها قبل نهاية العام الماضي 2016م بأيام:

 

في إحدى الليالي الباردة تلقينا إشارةً بانهيار أحد أنفاق المقاومة الفلسطينية في الأطراف الشرقية للمحافظة من تلك المتاخمة لحدود القطاع مع الكيان الإسرائيلي، ركبتُ سيارة الإسعاف وتوجهنا وزملائي إلى المكان على الفور، وكما تعلم فمعداتنا مهترئة وقديمة للغاية، وبعدما وصلنا إلى المكان خلال دقائق معدودة وجدنا بعضاً من الناجين وقد تمكنوا من إخراج أحد زملائهم. حملناه على الفور وكان مصابا بشكل خطير للغاية، وفي طريق عودتنا للمستشفى وبينما كُنا نسير بسرعة فائقة أملاً في انقاذ ذلك الشاب، توقفت سيارتنا بشكل مفاجئ ولم نُفلح في إعادة تشغيلها، وبدلاً من الاهتمام بذلك المصاب أصبحنا نحاول إصلاح سيارة الإسعاف، وقد نقلنا المصاب لسيارة أخرى، لتكون المفاجأة بأننا وصلنا المستشفى بعد إصلاح سيارتنا فتم الإعلان عن استشهاد ذلك الشاب.

 

بألم يتذكر “أبو العبد” ذلك الموقف، ويحاول تفسير الدافع الذي يمنع العالم على إجبار الكيان الإسرائيلي بكسر الحصار المفروض على قطاع غزة وبخاصة في المسائل المدنية التي تمس حياة المواطنين الأبرياء بشكل مباشر دون أن تشكل أي خطر على الاحتلال. هو يبحث عن تفسير، إلا أنه لا يجد إجابة كحال الكثيرين.

 

في حكاية الحالة التي يعمل بها جهاز الدفاع المدني الفلسطيني في قطاع غزة لا يكاد الإنسان إلا ايجاد السواد يسيطر على كافة معالم الصورة، فأكثر من مليوني مواطن يسكنون في هذا الشريط الساحلي الذي يحيط به الاحتلال الإسرائيلي ومصر من محيطه بالكامل أو حتى من السماء والبحر، يكفي معرفة أن ما يمتلكه ذلك الجهاز فقط 21 سيارة إطفاء وخمس سيارات إنقاذ وتدخل سريع وسبع سيارات إسعاف وسبع سيارات صهاريج مياه وسيارة سلم واحدة فقط، وهي لا تُغطي سوى نسبة قليلة من متطلبات العمل خاصة خلال الطوارئ والكوارث، وبالأرقام فهي لا تغطي أكثر من 10 بالمائة من احتياجات العمل، وهي معدات مهترئة مر على سنوات انتاج بعضها عقود من الزمن، ويتم بين الفينة والأخرى محاولة تصليحها وتدويرها لبث البعض من الحياة فيها.

 

بالمقارنة مع عدد السكان، وحتى يقوم جهاز الدفاع المدني الفلسطيني بمهامه في مستواها المتوسط، فهو لا يحتاج إلى طائرات أو سفن للتدخل السريع وإطفاء الحرائق وإنقاذ المصابين، وإنما يحتاج لـ 68 مركبة وسيارة مهنية لسد النقص الموجود لديه، وهي احتياجات باتت كل الدنيا تعلم بها، ولكن يبدو أن الدم الفلسطيني لا يُشبه الدم الإسرائيلي الذي انتفض له كل العالم، العرب قبل غيرهم حينما حدثت بعض الحرائق في ذلك الكيان المحتل لبلادنا، رغم امتلاكه أصلاً لأهم صناعات وتكنولوجيا الإغاثة والإنقاذ والتدخل السريع.

 

إن هذا الجهاز الذي تكفلت كل القوانين والأنظمة العالمية بحمايته، اقترفت قوات الاحتلال الإسرائيلي الجرائم تلو الأخرى بحقه دون أن يرف جفن العالم الذي يدعي باستمرار الحفاظ على حقوق الإنسان، بل والقتال من أجلها، فإلى جانب أنه منذ العام 2000م لم يدخل للدفاع المدني في قطاع غزة أي من سيارات ومركبات الدفاع المدني وكذلك المعدات، الأمر الذي أثر على أداء الجهاز في تقديم الخدمة المناسبة للمواطن الفلسطيني.

 

فإلى جانب منع إدخال المعدات، فقد جعلت “إسرائيل” من ذلك الجهاز ومقراته هدفاً مشروعاً لها خلال الاعتداءات المتوالية التي تشنها على غزة، ففي العدوان الإسرائيلي عام 2008م دمرت ستة مراكز تدميرا كليا، بينما تم تدمير خمس سيارات إطفاء وإنقاذ وإسعاف تدمير كلي، وفي العدوان الأخير 2014م دمرت طائرات الاحتلال مركزي دفاع مدني القرارة وعبسان بخان يونس وكذلك تم تدمير ثلاث سيارات إسعاف.

 

وعلى صعيد الخسائر في الكادر، فقد استشهد 13 من أبناء الدفاع المدني في عدوان 2008م وتعرض 31 لإصابات مختلفة، وفي عدوان 2012 استشهد اطفائيا واحدا وأصيب عشرة آخرين بجروح، وكذلك الحال في العدوان الأخير 2014 فقد كان العدوان شديدا على مدار 51 يوميا استشهد فيها تسعة من أبناء الدفاع المدني وأصيب 76 بجروح مختلفة وذلك أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني والوطني.

 

إن هذا الجزء من حكاية جهاز الدفاع المدني الفلسطيني يُظهر الواقع الحقيقي للحال التي يحياها المواطن الفلسطيني في غزة، ففي الماضي كان الصراخ الفلسطيني قد يجد له استجابةً في أي من بلاد العرب، لكن في هذه الأيام فكل بلدٍ عربي مشغول في نفسه، يبحث عن فرصةٍ تُبقيه على قيد الحياة، في زمن تكالب المجرمون من شتى بقاع الدنيا على كل من ينطق بلغة الضاد.