شو يعني أزمة كهرباء؟

نشر 19 يناير 2017 | 09:39

في قطاع غزة تلك البقعة الصغيرة على الخارطة السياسية للعالم، قرر كل دُعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم إما بتخطيطهم أو صمتهم أن يدفعوا أهل غزة للعيش في أزمات متوالية أحدها أعظم من الآخر، ومن بين تلك الأزمات أزمة الكهرباء التي باتت أنيابها تصيب عصب الجسد الفلسطيني المنهك بفعل الحصار القذر الذي يمارسه أدعياء الحرية والعدالة الإنسانية، كعقاب لهذا الشعب الذي أوصل لسدة الحكم ما لا ترضى عنه قوى الشر والإرهاب العالمي. أما نحن في غزة فبحكم هذه الأزمة التي امتدت عندنا لسنوات فيمكننا ذكر البعض مما برمجنا عليه عقولنا وأفراد أسرنا للتعامل مع أزمة يبدو أنها لا أفق قريب لحلها، وذلك بالتالي:11

 

1- كلمة كهرباء هي مصطلح لقهر الإنسان والعمل على إذلاله وإهانة كرامته التي ادعت كل القوانين الأرضية أنها محفوظة بين صفحاتها فقط.

 

2- أزمة الكهرباء جعلت المواطن الفلسطيني يتعرف على كلمات ومفاهيم لم تكن تخطر في بال إنس ولا جان، فقد بات الطفل الصغير يعرف بأن السكينة هي الأداة التي تجعله يشعر بالسعادة أو الخوف والاقتراب من حضن الوالدين حينما تتحرك تلك الأداة اللعينة على عامود الكهرباء وصلاً أو في الغالب قطعاً للتيار.

 

3- في أزمة الكهرباء تعرفنا على أقلمة الذات مع أشد الواقع مرارة، فكونك تعيش في غزة فهذا يعني بأنك قد تجد نفسك مضطرا للعيش بلا كهرباء نصف يومك أو ثلثيه، وربما لا يصلك التيار إلا لأربع ساعات خلال ساعات اليوم الأربعة وعشرين.

 

4- مع أزمة الكهرباء مش راح تقدر تغمض عينيك، بمعنى أنك إن غالبك النعاس فقد تصل الكهرباء إلى بيتك وتغيب بينما أنت نائم، وبالتالي فلن تتمكن من شحن هاتفك الجوال أو تعبئة المياه لأهل بيتك، وزوجتك لن تتمكن من غسيل ملابسكم المتراكمة منذ أيام، أما الخبز فلا تفكر بأنك ستجده على مائدتك، وكالعادة وإن وصلت الكهرباء فلن تتمكن زوجتك في وقتها القصير لإنجاز أعمالها المتراكمة منذ أيام لتقوم بكي ملابسك.

 

5- في أزمة الكهرباء يجد المواطن الفلسطيني نفسه مضطرا للبحث عن بدائل لها كي يعيش على نور وهدى، فإن كان من أصحاب النفوذ والمال فسوف يشتري مولدا للكهرباء أو يحصل عليها من الطاقة الشمسية وهي بدائل تكلف الآلاف، لكن أمام إرادة ذلك المسئول فلا يوجد شيء مستحيل.

 

6- في أزمة الكهرباء البدائل لدى المواطن الفقير والمسحوق تُختصر في خيارين، إما اللدات ذات الإنارة الضعيفة التي أذهبت بصر الناس، أو الشموع، وبالتالي البقاء في حالة يقظة خلال الليل خشية قضاء تلك الشموع على أفراد العائلة حرقا.

 

7- في أزمة الكهرباء لن يجد المواطنين تيارا لإشعال مدفأة من خلالها يتسلل الدفء لأقسام أطفالهم، وبذلك تُشيع غزة الرضيع تلو الآخر بعدما قضوا من موجات الصقيع دون أن يهتز جفن لذلك العالم القذر.

 

8- في أزمة الكهرباء يجب على سكان العمارات المرتفعة في غزة ربط حياتهم بجدول الكهرباء لقضاء حاجاتهم اليومية، وإن انقطع التيار في غير توقيته وهي حالات كثيرة التكرار فعليه إما الانتظار والمبيت في الشارع أو صعود عشرات الدرجات والوصول لشقته السكنية مريضا معلولا.

 

9- مع أزمة الكهرباء قد ينقطع التيار خلال قيام طبيب فلسطيني بإنجاز عملية جراحية لمريض أنهكه الحصار وانقطاع الكهرباء، فتنقلب المستشفى رأسا على عقب في محاولات حثيثة لإبقاء ذلك المريض على قيد الحياة.

 

10- في أزمة الكهرباء سيكتشف المواطن الفلسطيني بأن الساسة غير معنيين في أغلبهم بالعمل الجاد لإنهاء الأزمة وإيجاد الحلول الاستراتيجية الكفيلة بإنهائها، ولذلك تجد أحدهم يلعب على جواله خلال اجتماع فصائلي يهدف لإيجاد حلول لهذه الأزمة في مشهد مهين لم يدفع ثمنه ذلك المسئول من غضب الشعب الذي بقي صامتا على تلك الإهانة.

 

11- في أزمة الكهرباء ستجد بأنها القضية التي فضحت كل المسئولين، فبحث بسيط سيعطي لك أرقاماً مختلفة لكل مسئول عن الآخر بكمية العجز وحاجة غزة من الكهرباء، بل إن مسؤولا واحدا أصدر رقمين مختلفين عن الأزمة وخلال تصريح واحد فقط خلال الأيام القليلة الماضية.

 

12- في أزمة الكهرباء تجد الحكومة التي ترفع لافتة “التوافق الوطني” تنفذ أكثر من ثلاث مشاريع استراتيجية لتوليد الطاقة الكهربائية في الضفة الغربية، أما غزة فليست في خاطرها أو على أجندتها أصلا، وكل ما يصل تلك الحكومة من مقترحات غزية لحلول استراتيجية لا تكلف نفسها بالرد عليها وتضع العصي في الدواليب.

 

13- في أزمة الكهرباء تجد “الحكومة الوطنية بامتياز” تفرض ضرائب على وقود محطة كهرباء غزة تصل حتى 128 في المائة، رغم أن تشغيل تلك المحطة لا يكفي حاجة سكان قطاع غزة اليومية.

 

14- في أزمة الكهرباء لا تجد حكومة رامي الحمد الله والرئاسة الفلسطينية وخزة ضمير أو خجل من الوقاحة الكبيرة في التعامل مع أهل غزة، فضرائب الوقود المستورد لم تشبع بطونها الجائعة، لدرجة أنه في إحدى المرات أعاقت تلك الحكومة وصول منحة وقود من إحدى الدول العربية لمطالبتها بضريبة عليها، وبات ممثل تلك الدولة في جولات مكوكية لاقناعهم بأن ما يقومون به “عيب” ولكنه لم يتخيل بأنهم لهذه الدرجة من النذالة، فكان يتفق مع أحدهم ويذهب لإقناع الآخر، وبعد إقناع الثاني يعود للشخص الأول لإقناعه بعد تراجعه، في مشهد لا يقوم به حتى الصبية والأطفال. لقد فهمت تلك الدولة العربية الرسالة بأنه ممنوع لأحد التخفيف عن أهل غزة إلا برؤية الرئيس المبجل محمود عباس.

 

15- في أزمة الكهرباء تجلس لجنة للفصائل في غزة لمتابعة هذا الملف، وفي الغرف المغلقة تعترف بأن المشكلة في الحكومة وتمييزها في التعامل مع غزة، لكنها لا تتحدث بذلك للجمهور وتبلغه بالحقيقة، فالحقيقة التي سيتحدثون بها ستكون بمثابة صك براءة لحركة حماس، وهذا ما لا يريدونه منذ عقود من التاريخ.

 

16- في أزمة الكهرباء تتفق تلك الفصائل بحجم تآمر رئاسة السلطة، لكنهم ينظمون المسيرات في غزة، وهي مسيرات يتقدمها العديد من المراهقين والسفهاء فيقومون بتحطيم وتكسير مؤسسات الشعب، وحينما تتدخل الأجهزة الأمنية لضبط الأمن تسارع تلك الفصائل لإصدار بيانات الشجب والإدانة لعدم احترام حقوق الإنسان.

 

17- في أزمة الكهرباء تجد المواطن الفلسطيني يصم أذنيه ويعمي عيونه عن الحقائق والأرقام ويحمل كل المسئولية لحركة حماس. صحيح أن الحركة تتحمل جزءا مهما من المسئولية، غير أن المسئولية الأكبر والأبرز تكمن في قلم محمود عباس الذي يرفض بتوقيع واحد فقط القضاء على فصول تلك الأزمة.

 

18- في أزمة الكهرباء تجد حدتها تشتد كلما تم الحديث عن مؤتمرات دولية تتعلق بالقضية الفلسطينية، فبينما تزداد ساعات فصل التيار الكهربائي تتصاعد المطالبات بالعمل على إنجاح مؤتمر باريس، وهي معادلة واضحة لإخراس غزة بهدف تمرير جريمة جديدة تحمل بصمة محمود عباس.

 

هذه حكايتي مع أزمة الكهرباء وقد توقفتُ عن الكتابة بعدما أشعرني جهاز اللابتوب بقرب انتهاء شحنته الكهربائية، فأعتذر عن التوقف لهذا الحد بعدما أخبرني انقطاع الكهرباء على مواصلة الخربشة بقلمي صاحب المداد الأحمر.