هل تتجه غزة نحو حُضن داعش؟

نشر 27 ديسمبر 2016 | 09:26

في الحديث عن ظاهرة اتجاه الشباب العربي نحو تنظيم الدولة الإسلامية المعروف اختصاراً بـ “داعش” كنتيجة لعدة عوامل، كان الكلام يستثني قطاع غزة والأراضي الفلسطينية بسهولة في أوقاتٍ سابقة، غير أن استمرار انتشار التنظيم في الأراضي العربية والأحداث التي ارتبطت به في العديد من العواصم الأوروبية جعل أفئدة العديد من شباب غزة تتجه لتشرب أفكاره والاقتناع بها، وصولاً للأهداف والأجندة التي يسير لتحقيقها التنظيم بخطى ثابتة- بغض النظر عن كونها تتعارض مع شرائح واسعة في المجتمعات العربية-.11

 

قبل أيام كنتُ ضمن جولةٍ للكتاب والمحللين والمثقفين في قطاع غزة نظمتها وزارة الداخلية الفلسطينية على مرافقها العاملة في القطاع المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات، وخلال الجولة كانت وقفة لنا داخل أحد مقرات جهاز الأمن الداخلي حيث استمع الحضور لأحد ضباط الجهاز الكبار عن أبرز التحديات الأمنية التي تواجه هذا المكان من الوطن العربي. كان اللافت من حديثه أن “الفكر المتطرف” بات يهدد السلم الأهلي الفلسطيني في القطاع وقد يعصف به في أي وقت ممكن، وهذا أمرٌ مرتبط بالمتغيرات المختلفة التي تعصف بالساحة الفلسطينية، وكتدليلٍ على حديثه فقد ذكر ذلك “العقيد” أن في سجونهم أكثر من ثمانين “داعشياً” محتجزين بعد تورطهم في التخطيط لهجمات على مقار أمنية ومؤسسات مختلفة تنشط في قطاع غزة.

 

حديث ضابط الأمن الداخلي كان عن اعتقال فقط أفراد كانوا يستعدون لتنفيذ هجمات، وعددهم مقارنةً بعدد مواطني قطاع غزة يعتبرُ قليلاً في الوقت الراهن، غير أن السؤال الأهم: ما دام عدد من كانوا يجهزون تنفيذ هجمات هو ثمانين شخصاً، فكم سيكون عدد أولئك الذين يحملون الفكر المتطرف في عقولهم ويستعدون لاقتناص الفرصة المناسبة لتنفيذ مخططاتهم؟.

 

في الحديث عن هذه الحالة لا بُد من وقوف كافة الأطراف الفلسطينية والإقليمية وقفة عاجلة مع الذات، فنحنُ شعبٌ صحيحٌ أننا نجود بدمائنا غزيرة في ساحة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، غير أننا لا نقبل أن تُزهق أرواحنا بلا ثمن في شوارع غزة التي تئن بفعل الحصار والتضييق عليها من أطرافٍ مختلفة.

 

قبل أن تنفجر الأمور يجب على السلطة الفلسطينية رئاسة وحكومة وفصائل فلسطينية أن تتدارك الأمور قبل فوات الأوان، فاستمرار إدارة الظهر للشباب الفلسطيني في غزة لن يحصد نتائجها إلا المجتمع بكليته “إسلامييه وعلمانييه”، بل ومواطنيه الذين لا دخل لهم بأي من التنظيمات الفلسطينية، وأكبر همهم هو البحث عن لقمة عيشٍ لأطفالهم وزوجاتهم.

 

إن الشاب الفلسطيني الذي يتخرج من جامعته ويجلس في بيته تمضي عليه السنوات دون الوصول لأفقٍ مشرقٍ ينتظره يجد ضالته في الشبكة العنكبوتية فيشغل أوقات فراغه بقراءة الأفكار المنحرفة وغيرها حينما لا يجد الحاضنة الفلسطينية لتفريغ طاقاته، وبذلك يتشرب فكراً سيكون الأداة الثقيلة لهدم المجتمع وتدمير ما تبقى من معالم صموده، فالشاب الذي يتخرج إن لم يجد فرصة عمل أو مكان يبني من خلاله مستقبله وتأسيسه لبيت وأسرة، ستبحث عيونه وأفكاره- وهذا غير مبرر بالمناسبة لكنه الواقع- عن حالةٍ ينتقم بها من جميع الأطراف التي يرى بأنها السبب في الحالة التي يعيشها، ومن هذه الأطراف ما يلي:

 

1- الاحتلال الإسرائيلي باستمرار حصاره وتضييقه على قطاع غزة واستمرار مماطلته في تحقيق ثغرات حقيقية بجدار الحصار تُعطي أملاً للشباب الفلسطيني.

 

2- الشقيقة مصر يعتبرها الشباب مساهمة هي الأخرى في هذا الأمر، فهي التي لا تزال كذلك تشدد من حصارها مع غزة وتفتح المعبر عليها بنظام “القطارة” في مشهدٍ لا يخفف من حدة الحصار، كما أنها تمنع عشرات الشباب وتقوم بإرجاعهم خلال رحلة سفرهم خارج غزة للتعليم أو غيره، وبذلك تضع نفسها أمام خطرٍ قادمٍ من غزة هي في غنى عنه خشية أن تلتقي حلقة غزة مع حلقة سيناء.

 

3- الرئاسة الفلسطينية وحكومة ما يسمى بـ” التوافق الوطني” بات واضحاً بأنها على مدار سنوات عمرها لم تبع الشباب الفلسطيني إلا الوهم ولم تحقق أياً من وعودها تجاههم، فلا وظائف أمامهم ولا أمل بانفراجات قريبة.

 

4- الفصائل الفلسطينية هي ذاتها يراها الشباب العاطل عن العمل متسببة في أزمته، ففي تقرير لمركز الإحصاء الفلسطيني ظهر بأن نسبة البطالة في قطاع غزة للعام الماضي 2015م قفزت لمستويات خطيرة ووصلت لنسبة 41 بالمائة، ومن خلالها تم تسجيل 193 ألف عاطل عن العمل غالبيتهم من الشباب.

 

بعيداً عن المصالح الضيقة لكل جهة من الأطراف سابقة الذكر، فالواقع في قطاع غزة يقف على حافة الانفجار وحالة الإحباط التي يعيشها السكان غيرُ مسبوقة، والحكمة تقول بأن السياسي الناجح هو الذي يبحث عن الخطوات التي تقلل من الأزمات التي تُهدد مصالحه، وتلك الأزمات وهذه الضغوط لن تذهب إلا بذهاب مسبباتها. هي مسبباتٌ واضحة فهل تعي “إسرائيل” ومصر والسلطة والفصائل الفلسطينية الأمر قبل فوات الأوان؟ أم أن غزة ستجد ضالتها في حُضن “داعش” الدامي؟.