طيارُ فلسطين

نشر 24 ديسمبر 2016 | 09:40

في الوقت الذي كانت جماهير حركة المقاومة الإسلامية “حماس” مشغولة بإحياء فعاليات الذكرى التاسعة والعشرين لانطلاقة الحركة الأوسع فلسطينيا والأكثر تأييدا عربياً وإسلامياً، كانت خفافيش الموساد الإسرائيلي تعمل على مدار الساعة تتنقل بحذر شديد بين أنقرة وتونس، حتى إذا ما وجدت اللحظة مواتية انقضت على فريستها وصوبت أسلحتها تجاهه، ليستقر في جسم المهندس المبدع محمد الزواري ثمانية منها، وبها مضت روحه إلى بارئها تشكو بأن المبدعين في بلاد العرب والمسلمين لا يوجد لهم حاضنة أو حماية من المتربصين.11111

 

ليست هذه هي الجريمة الأولى التي يرتكبها الموساد على تراب عربي أو غيره، غير أنها تدلل على أن حدود البلاد الحمراء أمام المواطنين العرب تكون خضراء أمام غيرهم، حتى وإن كانوا من يحتلون القدس ويدنسون ترابها ويصفعون أهل عقيدتها من المسلمين في كل وقت وحين.

 

بألم شديد نظرتُ إلى جنازة المهندس الفذ محمد، بل أصابتني الحسرة إلى الحالة التي تعترينا كعرب ومسلمين ليخرج في جنازة هذا المُبدع فقط بضعة أشخاص في حالةٍ من الانهزامية منقطعة النظير، وأحسب جنازته لو كانت على أرض غزة أو فلسطين لما بقي منا شخص داخل بيته لم يُشارك في عُرس بطل صنديد من أبطال أمتنا في زمن بات المبدعُ فيه غريباً ومشككا في نواياه، بل ويتم محاربته من أنظمتنا الحاكمة التي باتت تُشجع الهابطين والفشلة في بلادنا وتمنحهم الألقاب والنياشين، بينما المخترعين والمبدعين يموتون بحسرتهم وهم ينقشون في صخور الواقع العربي وعلى حسابهم الخاص أملاً في زمن ينتبه له الأحرار ويستفيدوا في رفعة أوطانهم بمبتكراتهم وإنجازاتهم.

 

الطيار السابق في الخطوط الجوية التونسية الدكتور المهندس محمد الزواري الذي عمل محاضراً جامعياً لم يكتفِ بإلقاء المحاضرات كالمئات من علماء المسلمين الذين يبكون حلب هذه الأيام بخطبهم فقط، إنما أمضى الساعات الطوال في تصميم وإنتاج طائرات بها يتم تغيير الكفة لصالح العرب والمسلمين المظلومين في كل مكان على هذه الأرض، وحينما لم تنتبه له البلد فقد أسس نادي الطيران في جنوب تونس وجمعية الطيران، ومن خلالهما بدأ ينتشر علمه، فأخذت الكثير من العقول العربية تهفو إليه بينما المسئولون مشغولون داخل قصورهم وممالكهم في محاربة المناوئين خشية إزاحتهم عن عروشهم.

 

لم يتوقف المهندس “الزواري” عند هذا الحد، بل أراد أن يُخبر مختلف الأطراف بأن دعم فلسطين وشعبها والدفاع عن قضيتها لا يكون بالكلام والخطب الرنانة، فقد أدرك جيداً بأن “الجود بالنفس أسمى غاية الجود”، بحث عن العنوان فأرشدته بصيرته منذ حوالي عقد من الزمن إلى الجناح العسكري لحركة “حماس” كتائب القسام، ففتح خط اتصال معهم وعرض المشورة لتصنيع سلاحٍ جديد يرفع من شأن المقاومة الفلسطينية ويحفظ دماء مقاوميها وأبطالها بدلاً من استجداء الحماية من الغرب الذي زرع الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين.

 

تنقل “الزواري” في معسكرات “حماس” على الأراضي السورية وغيرها، ودخل قطاع غزة أكثر من مرة، وبدأ رحلة صناعة الطائرات الفلسطينية التي أثلجت صدور العرب المتعطشين بانتصار على الكيان الإسرائيلي منذ عقود من الزمن، وبينما كانت صور طائرات الأبابيل القسامية تنتشر لعامة الناس في العام 2014م في مشهدٍ لم تجرؤ أيا من الأنظمة العربية على صناعته رغم امتلاكها كل الأسلحة والطائرات وأحاديثها عن دعم فلسطين، كان الطيار التونسي يسجد لله شكراً أن كان سبباً في إدخال سلاحٍ جديد للمقاومة الفلسطينية.

 

مضى المهندس “الزواري” إلى ربه، لكن بصماته حتماً حفظها المئات من طلبته في فلسطين وغيرها، وستكون الأيام المقبلة بإذن الله تعالى حُبلى بالمفاجآت، وإن خشي الآلاف في تونس من المشاركة بجنازة تشييعه أو وصفه حتى بلقب “شهيد”، فإن الله تعالى هو الذي يختار هذا اللقب لهذا دون ذاك، غير أن الأهم في قضية اغتيال “الزواري” أنها كشفت حقيقة بأن دعم فلسطين أو حلب وغيرها من بلاد العرب المكلومة لا يكون بالخطب والبكاء أمام الشاشات، إنما هو بالعقول والابتكارات، وهذه وتلك عزيمة يؤتيها الله من يشاء من عباده الذين يبحثون عن العزة والكرامة وسُبل صناعتها.