على مدار بضعة أيام ظهر جلياً ما تحدث به الكثير من الخبراء الذين نشروا
الآلاف من الكتب والمصنفات والمقالات التي توصف الحالة العربية والإسلامية، لقد لخصوا
مشهدنا اليومي بما أصابه من خلل كبير وانحراف يصعب تصحيحه نتيجة حالة الصدأ التي تراكمت
على عقولنا، فشوشت على أفكارنا وجعلتنا نهرف بما لا نعرف في نقاشنا لمشاكلنا اليومية،
حتى أصابت اللوثة الفكرية التي أصابت مجتمعاتنا شريحة المثقفين منا، وهكذا كان من نتائج
الأفكار التي تخرج من عقولنا التي أحاط بها “الصدأ”، مضحكة للصغار والكبار.12
متابعاتٌ كبيرة من كافة شرائح مجتمعاتنا العربية صاحبت “الحريق الكبير”
الذي انتقل من مكان لآخر داخل الكيان الإسرائيلي، وبعضنا أرجع الحريق لغضب رباني أصاب
“اليهود المحتلين”، بل وجزم بذلك، وبعدما كان يدعو الله “بجلاله وعظمة سلطانه” قبل
أيام من الحريق بإنزال الغيث على بلاد الشام التي جفت مزروعاتها لانحباس المطر، بات
يدعو الله أن يتواصل الجفاف ليُساهم في امتداد الحرائق لأوسع بقعة ممكنة داخل الكيان
الإسرائيلي!.
جاءت رياحُ الحريق بما لا تشتهي “سُفن العقول الصدئة” فتمكن البشر من
إطفاء الحريق، وبذلك تكون النتيجة “لو استمعنا” لأفكار العقول الصدئة، هي إحداث خلل
في العلاقة التي تربطنا بالله تبارك وتعالى، بل وستدفعُ تلك الأفكار أصحاب الإيمان
الضعيف لسلوك نهج التشكيك بـ” دفاع” الله تعالى عن عباده المظلومين وانتقامه من الظالمين!!
إن حديثي السابق لا ينفي معية الله تبارك وتعالى ومساندته لأهله وخاصته
من المؤمنين والمسلمين، ولا يحجب رحمته عن المظلومين من البشر أجمعين، لكن السؤال الأهم:
هل تأكد الواحد فينا بأننا المسلمين والمؤمنين الذين يخاطبهم الله تبارك وتعالى في
كتابه الكريم؟ أم أننا متوهمين بالحالة التي نحنُ عليها كوننا مسجلين في بطاقة الهوية
بأننا “مسلمين” وغابت عنا التصرفات والأفعال والواجبات التي يجب أن يقوم بها المسلم
في حياته اليومية؟.
تأتي الأحداث تباعاً تعصفُ بأرضنا العربية لتكشف لنا حالة الخلل والانفصام
التي يعيشها القادة والمفكرون في بلادنا، الأمر الذي يساهم بشكل فاعلٍ لتعزيز منظومة
التثقيف الفاشلة التي يغرسها أولئك المفكرون وأساتذة الجامعات “إلا من رحم الله” لأجيالنا
وآلاف الطلبة، والذين- بالمناسبة- هم من سيحمل هم مسئولية أوطاننا وقضايانا بعد أعوام
قليلة.
إن الغضب الرباني لو كان سينالُ الظالمين فالأولى أن يكون بحق من يمارسه
في العراق وسوريا وبورما وغيرهما من بلاد المسلمين بأيدي المسلمين، واغتصاب النساء
وتقتيل الأطفال وغيرها من الجرائم. أما الحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على
أهل فلسطين “دون تقزيم لجرائم الاحتلال المتواصلة بحق أهل فلسطين” فهو جرائم تهون مقارنة
بغيرها!!
يجب ألا يغيب عن عقولنا أن الله أيد “المؤمنين والمسلمين” في مواطن عدة،
لكنه “جل جلاله” أنزل الهزيمة بحقهم بينما كان النبي “محمد صلى الله عليه وسلم” بينهم
في مواطن أخرى، فهل هذا يعني أن التأييد الإلهي يجب أن يتنزل علينا دوماً دون عمل أو
تجهيز واستعداد؟. لو كان الأمر كذلك فما فائدة “والعياذ بالله” آيات الحث على العمل
والإعداد التي يزخرُ بها كتاب الله، وما جدوى أحاديث وأفعال التوكل والاعتماد على النفس
التي وصلتنا من النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” قبل طلب المعونة من الله؟
في حالتنا العربية وحينما تراكم الصدأ على أدمغتنا انشغلنا بدعاء الله
وطلب تأييده لنا وتركنا العمل والتجهيز والبحث عن أساليب النهضة. وحينما تراكم الصدأ
على عقولنا أكثر فأكثر تركنا كل أشكال الإسلام وتشبهنا باليهود والنصارى بانحدار أخلاقنا
وقيمنا، بينما اهتموا هم بالعمل والإبداع وسلوك مسالك النهضة الصناعية والعسكرية فمال
الميزان لصالحهم حينما تساوينا في انحدار أخلاقنا وارتفاع نهضتهم الصناعية.
كيف لنا أن نطلب من الله النصر والتمكين بينما تخلينا عن عقيدتنا وديننا
في كافة مواطن حياتنا، ثم ادعينا بكل فخرٍ أننا مسلمون نستحق التأييد والنصر من الله.
قبل طلب التأييد الذي لا يمكن أن يأتي لأناس تخلو عن دينهم في كل شئون حياتهم، وتركو
الجد والعمل، وجعلوا بلادهم وأوطانهم مرتعاً لـ” سفلة العالم”، يجب العمل والعمل بهدف
استنهاض حالتنا في شتى المجالات ثم التوجه للسلاح الأخير في جعبتنا بعد ذلك “الدعاء”
حينها سنكون متيقنين بأن حصننا متين وقوتنا المدعومة بقوة الله “الذي نصرناه في قلوبنا
وأفعالنا” ستكون لها الغلبة، أما بقائنا على حالتنا الآنية وطلب العون من الله فهذا
يمثل قمة “قلة الأدب مع خالقنا”. آن أوان إزالة الصدأ الذي علق في عقولنا وحرف تفكيرها
وشوَّه نتائجه.