ما دأب رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو على ترديده مؤخرا يعني
بشكل واضح وصريح أن أنظمة الحكم في العالم العربي تغطي تطرفه وتقبل مواقف حكومة اليمين
الديني المتطرف بزعامته، من الصراع. نتنياهو ففي أكثر من مناسبة قال نتنياهو مؤخرا
إن تحقيق السلام في المنطقة يتطلب تسوية عربية إسرائيلية تستثني الفلسطينيين. أي أن
«التسوية» مع العالم العربي التي يبشر بها نتناهو، لا تتطرق لمحاور المسألة الفلسطينية،
مثل قضايا: اللاجئين، القدس ومصير أرض محتلة وغيرها. ويذهب نتنياهو في صلافته إلى أبعد
حد ممكن عندما يدعي مجددا بأن تحقيق «التسوية» مع العالم العربي كفيلة بتحقيق «تسوية»
مع الفلسطينيين. لكن عندما يطرح السؤال: ما هي أركان التسوية بين العالم العربي والكيان
الصهيوني، أي ما الذي تحصل عليه الدول العربية وما الذي تحصل عليه إسرائيل كنتاج هذه
التسوية...فأن نتنياهو يصمت ولا يقدم تفاصيل.
بالطبع لا يصمت لأن ليس لديه تفاصيل، بل لأنه لا يريد أن يحرج شركاءه
العرب عندما يكشف عن طابع المقايضة في التسوية التي يتحدث عنها، والتي تبرر تجاوز القضية
الفلسطينية.
لكن ما يصمت عنه نتنياهو يكشفه وبشكل فظ أستاذه وزير الخارجية والحرب
الأسبق موشيه أرنس، الذي اكتشفه ودفع به إلى عالم السياسية، وذلك في مقال نشره الأربعاء
الماضي في صحيف «هارتس».
فحسب منطق أرنس، فإن ما ستحصل عليه حكومة اليمين المتطرف كنتاج التسوية
مع العالم العربي هو إضفاء شرعية على موقفها من القضية الفلسطينية، بمعنى تسليم الدول
العربية بتواصل الاحتلال للأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلت عام 1967، إلى جانب
استفادة إسرائيل من حرب الدول العربية ضد حركات الإسلام الجهادي والسياسي. وفي مقابل
ذلك، فإن إسرائيل تقدم ثلاثة أشكال من المساعدة لهذه الدول، حسب طبيعة التحدي الذي
يواجهه نظام الحكم فيها. فهناك أنظمة تواجه أزمة شرعية، مما يلزم إسرائيل بالتجند لتأمين
شرعية دولية لها من خلال تنظيم حملات سياسية ودبلوماسية سيما في الغرب، كما هو الحال
بالنسبة لنظام السيسي. بالطبع هناك أنماط مساعدة أخرى أشار إليها مسؤولون صهاينة آخرون.
فعلى سبيل المثال، كشف مسؤول أمني صهيوني أن السيسي سمح لسلاح الطيران الإسرائيلي بتنفيذ
غارات في قلب سيناء ضد الحركات الجهادية، إلى جانب كثافة التنسيق والتعاون الأمني بين
الجانبين. وهناك أنظمة لا تواجه أزمة شرعية في الوقت الحالي، لكن إسرائيل تعد ضمانة
بقائها الأهم. وحسب أرنس، فأن هناك دول تتعرض لتهديدات أمنية إقليمية تتعاون إسرائيل
معها.
لكن عند إمعان النظر، فإننا نجد أن ما يفترض أن تحصل عليه الأنظمة العربية
ضمن التسوية التي يتحدث عنها نتناهو ويشرح جذورها أرنس تعد في الواقع مكاسب لإسرائيل.
فمن الواضح أن استقرار أنظمة الحكم التي تستنفر إسرائيل لخدمتها يعد في النهاية مصلحة
إستراتيجية للكيان الصهيوني، على اعتبار أنه في حال سقطت هذه الأنظمة فإن سيحل محلها
أنظمة تكون إشكالية وقد تشكل تهديدا للكيان الصهيوني. في الوقت ذاته فإن مساعدة إسرائيل
للأنظمة في مواجهة الحركات الإسلامية الجهادية أو ذات التوجه السياسي يصب في النهاية
لمصلحة إسرائيل أيضا. فعلى سبيل المثال يجزم «مركز أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي
أنه في حال لم يتمكن نظام السيسي من احتواء تنظيم «ولاية سيناء» فإن إسرائيل ستكون
وجهته الأخرى.
بمعنى أن استثمار الجيش المصري الجهود في مواجهة هذا التنظيم يعد في الواقع
وبشكل غير مباشر استثمارا لصالح إسرائيل، هذا حسب الفهم الإستراتيجي الإسرائيلي.
بالطبع، فإن تلميحات نتنياهو المتكررة تضفي مصداقية عن التسريبات التي
تزخر بها وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية حول كثافة التعاون الأمني والاستخباري
بين إسرائيل ودول عربية لا تقيم علاقات دبلوماسية معها بالإضافة للدول التي تقيم مثل
هذه العلاقات. وقد تطرقت تسريبات «ويكليكس» إلى الكثير من خفايا الاتصالات السرية.
مع العلم أن وزير الحرب الصهيوني أفيغدور ليبرمان قد فضح المسؤولين العرب، الذي يلتقيهم،
حيث قال أنه «شبع ولم يعد يطيق» مواصلة اللقاءات السرية مع كبار المسؤولين العرب.
بكلمات أخرى، فإن نتنياهو يقول أن أنظمة الحكم العربية تدعي تشبثها بالمبادرة
العربية من باب دفع «ضريبة كلامية» وأن هذه الأنظمة غير جادة في التمسك بها، حيث أن
كل ما يعني هذه الأنظمة هو خدمة مصالحها المشتركة مع الكيان الصهيوني فقط.