تتحمل المقاومة العراقية مسؤولية ضخمة وتاريخية تجاه العراق وتجاه الأمة العربية والإسلامية لأن نجاحها في طرد الأمريكيين سيساهم في إعادة الأمة إلى صوابها التاريخي، وفشلها سيبقي الأمة تحت وطأة الاستعمار والاستغلال والإذلال والهوان. تشهد المنطقة العربية الإسلامية الآن مرحلة مخاض تاريخي، وهي تتجه نحو الاستقلال الحقيقي الذي يتناسب مع تطلعات الأمة وآمالها، والمقاومة العراقية جزء لا يتجزأ من الحراك السياسي والثوري العام الذي بدأ يلوي المسار التاريخي الذي ميز المنطقة في العصر الحديث. شعوب الأمة العربية والإسلامية تريد أن تخرج من هيمنة الدول الغربية، وها هي بدأت تعبر عن هذه الإرادة بخطوات عملية تتطلب التضحيات الجسام.
لقد ساهمت المقاومة العراقية حتى الآن في إفشال آمال أمريكا في الهيمنة على العالم ثقافيا وفكريا، ووضعت كوابح وعراقيل هامة أمام روزنامة العولمة الأمريكية التي كانت موجهة نحو دول العالم أجمع. لقد ظنت أمريكا أن طريقها في العراق ستكون مفروشة بالورود، وبذلك تكون قد ذللت الطريق نحو اعتراف عالمي بها على أنها القائد الأوحد الذي لا يخيب له رأي ولا تضل له سياسة. وكان الأوروبيون أول من تنفس الصعداء بسبب خيبة أمريكا في العراق لأنهم كانوا يخشون الزحف الأمريكي على أوروبا لتصبح مجرد أداة سياسية واقتصادية بدون شخصية مستقلة.
حالت المقاومة العراقية أيضا دون سقوط دولة عربية عظيمة نهائيا بيد الاستعمار الأمريكي، وأبقت العراق دولة عربية إسلامية واعدة قادرة على العودة للعب دورها التاريخي في بناء الأمة. وقد حالت المقاومة العراقية دون أمريكا وسياساتها العدوانية تجاه سوريا وإيران. (لو) استتبت الأمور لأمريكا في العراق لما توانت من الاستمرار في الهجوم على دول المنطقة التي تعتبرها متمردة أو شريرة أو مساندة لما يسمى بالإرهاب. كل نصر تحققه فئة عربية أو إسلامية يساهم مباشرة في الحيلولة دون الأطماع الأمريكية والصهيونية وشهوتهما في إركاع العرب والمسلمين.
على الرغم من إنجازات المقاومة العراقية العظيمة إلا أنها بحاجة إلى وقفة وتقييم مستمر للأداء وللإنجازات. لقد حصلت إخفاقات وتم ارتكاب أخطاء لا بد من تصحيحها. تأتي مسألة المذهبية التعصبية الغبية على رأس هذه الأخطاء. هناك من أهل العراق من يرغب في مواصلة الحرب بين علي ومعاوية، أو يزيد والحسين، ويرفضون بقاء الخلافات في صفحات كتب التاريخ. أساء هؤلاء كثيرا للعلاقات الداخلية في العراق، وأساؤوا للمقاومة وحرفوها عن أهدافها. من العراقيين من أهل السنة وأهل الشيعة من عمل تحت مظلة أو شعار مقاومة المحتل واشتغل بالتصفيات الطائفية آملا أن يقوده انتصاره على الطائفة الأخرى إلى انتصارات على الأمريكيين. لقد اضعف هؤلاء المقاومة، وأضعفوا الشعب العراقي ومزقوه، وساهموا في هروب ملايين العراقيين من العراق، وصنعوا صورة غير مشرفة للمقاومين العراقيين.
بالتأكيد هناك مقاومة عراقية حقيقية وشريفة ومخلصة، لكن يكفي أن بقوم بعض الموتورين والمتشنجين الذين يرون التاريخ بعيون ظلامية بالإساءة إلى مجمل العلاقات الداخلية. لقد تهاونت المقاومة العراقية التي توجه سلاحها ضد الأجنبي وأعوانه مع هؤلاء المتعصبين فدفع الشعب العراقي جميعه الثمن. كان على المقاومة العراقية أن تتصرف بحزم وحكمة ضد النعرات الطائفية والمذهبية لتحمي نفسها والشعب العراقي من براثن الفتنة.
على الأمة الآن أن توحد صفوفها إذا كان لها أن تنجح، وعليها أن تقلب الطاولة على رأس كل من يتلاعب بهذه الوحدة. المشهد العراقي ما زال يعاني من وطأة الطائفية، والانقسام ما زال يميز صفوف المقاومة. هناك المقاومة السنية التي تدب داخل صفوفها الخلافات، وهناك مقاومة شيعية لا تتفق فيما بينها، وهناك حلافات بين المقاومة الشيعية والمقاومة السنية. هذه خلافات تعبر عن نقص خبرة، وربما عن عدم نضوج. بهذه الخلافات، تخدم المقاومة العراقية العدو الذي لا يتواني في التأجيج وصب الزيت على النار. وهذا الخلاف بين السنة والشيعة هو بالضبط ما يعمل أعداء الأمة من أمريكان وصهاينة وأنظمة عربية على ترسيخه وتعميقه ليتحول إلى حرب داخلية تستنزف طاقات الأمة العربية والإسلامية.
حاول الأعداء من عربان وصهاينة وأمريكان أن يصنعوا الفتنة في لبنان لكنهم فشلوا، وعلينا أن نعترف بأن حزب الله بالتعاون مع قادة سنة حكماء قد أفشلوا المؤامرة. الوعي اللبناني بالمسالة كان عميقا وناضجا، ولنا في التجربة عبرة كبيرة.
تجاوز التاريخ الصراع بين السنة والشيعة، والتحدي المطروح أمامنا الآن هو أن نكون أو لا نكون. إذا كان لنا أن نجري وراء عصبوياتنا الحمقاء فإننا بالتأكيد لن نكون، سنفشل وستذهب ريحنا وسيغزو الصهاينة بغداد ليكونوا السادة الآمرين لكلاب من الجواسيس الخونة المتعاملين.
إذا كان للمقاومة العراقية أن تصحح المسار فإن أمامها:
1- أن تصحح علاقاتها مع الجمهور، أو مع الحياة المدنية للشعب العراقي. لا يجوز إطلاقا المساس بالحياة المدنية لأنها هي التي ترفد المقاومة بمقومات استمرارها. على المقاومة أن تعمل كبديل للسلطة الحاكمة أو منافس لها، وذلك يمكن أن يتم من خلال مدنيين يحرصون على المقاومة ويقدمون لها الدعم. لا يمكن لمقاومة أن تنجح إذا لم تكسب ثقة الجمهور الذي تحارب من أجله. المقاومة ليست فقط بندقية، وإنما هي قلم أيضا، وإداري وحارس على شؤون الناس اليومية، وموجه تربوي، وفلاح نشيط، ونجار ماهر، ومدرس واع، الخ.
2- حملة تخفيف وتودد من قبل القاعدة والتيار الصدري، ورفض الطائفية والمذهبية التعصبية واعتبارها سلوكا مخالفا للشريعة الإسلامية وإدانة كل من يتبناها أو يشجعها أو يتغاضى عنها.
3- تبني برنامج تثقيفي جديد يعيد العلاقات السنية الشيعية إلى وضعها الاعتيادي، وبرنامج ردع لكل المتعصبين. في بعض الأحيان يجب أن يسبق الحزم الحكمة، وبعض الأحيان يكون الحزم معاونا للحكمة. الوضع في العراق يتطلب الحزم المستند على وعي قوي بوحدة الأمة.
4- تطوير لجان إدارية متوازية مع المقاومة ولا تتبع لها مباشرة. على المقاومة أن تخوض معركة الحياة المدنية من خلال أناس تثق بهم ولا تضمهم حرصا على المسائل الأمنية.
5- البحث عن أصدقاء في الساحتين العربية والإسلامية. إنني ألاحظ أن المساحة المخصصة من قبل المثقفين والمفكرين العرب أقل بكثير من تلك المخصصة للبنان وفلسطين. جزء من هذا القصور يقع على عاتق المقاومة العراقية.
6- كل عمل يتناقض مع الأخلاق الإسلامية لا يمكن أن يكون مقاومة، ولا يخدم سوى الأعداء. لا تنجح مقاومة إن لم تكن قدوة أخلاقية.