فرعون.. اللي خلَّف ما مات!!

نشر 29 سبتمبر 2016 | 11:21

لم أتخيل أن تكون معاناة الحجاج الفلسطينيين خلال عودتهم لقطاع غزة بعد أدائهم لركن الحج بهذا الوصف الذي يتحدثون به، لقد جربت خلال رحلتي سفرٍ قمتُ بهما من خلال مصر طوال حياتي وشاهدتُ الاذلال من إخوان القومية والعقيدة، شاهدت صنوفاً من غياب التعامل الآدمي مع البشر، لكن ما يصفه الحجاج هذا العام وصفٌ تشيب منه رؤوس الصغار وتحتار في تفسير أسبابه ألبابُ الكبار.1

 

خلال زيارتي لتهنئة أحدهم وقد تمكن من زيارة البيت الحرام بعد اثني عشر عاما من الانتظار، صافحته فبادرني بدعاء لم أسمع مثله في حياتي: أسأل الله أن يرزقك زيارة بيته الحرام عاجلا غير آجل لكن ليس عبر مصر.. أسأل الله ألا يصبح الصباح إلا وقد أرانا ربنا الجبار آيةً في جيشها ولم يبقِ منه جنديا أو ضابطا إلا أنزل عليه عذابا بحجم معاناة نساء غزة ورجالها المرضى الذين بقوا في سفرٍ ليومين متواصلين دون طعام أو شراب أو حتى احترام لشيبتهم أو ضعفهم..

 

ليست هذه المفاجأةُ الوحيدة التي أحزنت فؤادي وآلمت نفسي، فرجلٌ آخر عمره كعمر والدي وأكثر لا يذهب عن مخيلته مشهد الاذلال الذي تعرض له الحجاج داخل مواقع الأمن المصري ولهيبُ شمس سيناء الحارقة الذي أدمى جلودهم وأصاب القرحة بأجسامهم. لا يزال يتذكرُ معالم الرعب بعد طلب ضابط برتبة رائد من كبيرهم ومُقعدهم ومريضهم بالنزول من الحافلة والاستلقاء على أرض الصحراء اللاهبة قبل فتح نيران رشاشاتهم الثقيلة من فوق رؤوسهم وتخويفهم..

 

على باب الصالة المصرية من معبر رفح يتذكر حاج ثالث الساعات الطويلة التي أمضوها في هذا المكان والتي امتدت من التاسعة صباحا حتى الثانية عشر من بعد منتصف الليل، فقد أمضوا تلك الساعات دون السماح لهم بأي حركة أو حتى الدخول لتلك الصالة تحت حجج واهية، وهو انتظار انتفخت فيه أرجل النساء المريضات بضغط الدم والقلب والسكري، بل وتسارعت نبضات أفئدة الرجال، وما منع من حدوث كارثةٍ محققة هو اندفاع الحجاج “بعدما ضاقوا ذرعا لسوء المعاملة” صوب أبواب الصالة ورفعوا أصواتهم عاليا مطالبين بالدخول وعدم الخشية من تهديدات القتل التي لوح بها الجنود بحقهم إن هم استمروا بطلبهم لدخول الصالة.

 

قصصٌ وحكايا كثيرة حفظتها ذاكرة الحجاج الفلسطينيين عن ظهر قلب، ويعملون جاهدين هذه الأيام على إيصال تفاصيلها الدقيقة لكل زائرٍ لهم تهنئةً بالحج والعودة إلى الديار سالمين، والقاسم المشترك بين الحجاج وزوارهم هو الدعاء بأشد الكلمات المعبرة عن ظلم كبير بأن يُنزل الله تبارك وتعالى غضبه وعذابه على جيش أبى إلا أن يحجز لنفسه مكانا في سجل أسود حالك، وقد كان بإمكانه أن يختر سجل الشرف له بين الأمم وعلى مدار التاريخ.

 

خلال إحدى الزيارات التي قمنا بها استحضر ذلك الحاج الخمسيني صور تلك المعاملة السيئة، فأخبرني بأنه لم يتخيل أن تكون معاملته من قبل الضباط المصريين على هذه الشاكلة، فقد كذب كل ما سمعه من مسافرين عبروا مصر قبله، لكنه عاش الحقيقة واقعاً ملموسا وأمام الجميع مزقوا شنطة سفره وأفرغوا محتوياتها وسرقوا بعضا منها… وهي معاملة يربط بها ذلك الحاج التاريخ ببعضه، ويستذكر ما فعله فرعون مصر قبل آلاف السنين مع سيدنا موسى عليه السلام فجعله الله عبرةً حينما وصل لدرجة من الطُغيان لا رجعة عنها، وإن كان فرعون قد مات وجعله الله للناس حتى يومنا هذا آية ودرساً في انتقام الله، إلا أن فرعون ذلك الزمان يبدو أنه خلف وأنجب جيش مصر لهذا الزمان.