لأول مرة أسمعها
حتى النهاية. في كل عام منذ وعيت على هذه الدنيا نتحلق حول شاشات التلفزة للاستماع
لها، لكننا في السنوات التي مضت كنا لا نعطيها كثير اهتمام وسماعنا لها أحسب أنه لم
يكن يتجاوز آذان رؤوسنا، فهي لم تكن بذات الأثر والتفاعل الذي شعرنا به في هذا العام
على اختلاف سنوات مضت. ففي هذا العام رغم أننا داخل بيوتنا، إلا أننا توقفنا عن التجهيز
لاستقبال عيد الأضحى المبارك وتركنا حواسنا كلها أسيرة لخطيبها الشيخ عبد الرحمن السديس
حتى انتهى منها كاملة، ولم نشعر بكثرة كلماتها أو عدد صفحاتها إلا بعدما انتهى الشيخ
“السديس” منها بالكامل.1
لقد كانت خطبة عرفة
هذا العام بشكل اختلف تماما عن الأعوام الماضية شكلا ومضمونا، ولذلك تابعناها واستمعنا
لها بكل سكينة وهدوء. لقد كان اختيار الشيخ “السديس” موفقاً لإلقاء خطبة عرفة هذا المؤتمر
السنوي الأكبر على مستوى البشرية، فهو لقاء يحضره زهاء مليوني مسلم من شتى بقاع الأرض
يلتقون في صعيد واحد، وكذلك يتابعه الملايين من داخل بيوتهم على اختلاف أماكن تواجدهم.
لقد كانت خطبة “السديس”
مميزة من حيث الشكل، فقد بدى الخطيب مفوها للغاية يمتلك أساليب الخطابة المؤثرة التي
تشد النفس الإنسانية لها دون ملل أو صعوبة تحليل للألفاظ والمصطلحات، وأزعم بأن عامل
السن والشباب الذي يتمتع به الشيخ “السديس” قد أدى الأثر المناسب للخطبة على اختلاف
خطيب عرفة السابق الذي طعن في السن كثيرا حفظه الله، فكان لسني عمره الطويل وخوشبة
لسانه الأثر السيء على جودة خطبة عرفات وزيادة أثرها في المسلمين سابقاً.
أمرٌ مهمٌ دفعني
وأفراد عائلتي للتركيز في خطبة هذا العام خلال الاستماع لها، فهي خطبة جاءت متحدثة
بألسنتنا لتناسب هذا الحشد من مختلف أرجاء العالم، ففيها ذكرٌ لمعاناة أهل فلسطين،
وفيها حديثٌ لضرورة رفع الظلم عن بلاد الشام “سوريا” التي زادت معاناة أهلها، ومن خلالها
ذكر الشيخ أن الدماء في العراق وصلت إلى مستويات غير مسبوقةٍ من الاستهتار بها.
صحيحٌ أن الواقع
العربي والإسلامي وأشكال المعاناة فيه أكبر كثيرا من الإحاطة بها في خطبة واحدة فقط،
لكن يُحسب للشيخ “السديس” أنه لم يسجل على نفسه بأنه لا يشعر بهموم ومعاناة الأمة الإسلامية
وإن كان بشكل جزئي ونطمح لأن يكون أكثر من ذلك في خطب مقبلة بإذن الله، لكن محتوى الخطبة
بشكل عام جاء ليخبرنا من جديد بأن أمتنا العربية والإسلامية فيها الكثير من النماذج
المشرفة للعلماء والأئمة والمثقفين والمبدعين القادرين على النهوض بمجتمعاتهم وقيادتها
إلى جادة الصواب، لكنهم نماذج بحاجة لمن يُنقب عنهم، تماما كالذي يبحث عن النفط والغاز
في بلادنا، وإن كان الخير الذي سيعود علينا من هذه النماذج أضعاف أضعاف ما تحويه الأرض
من كنوز طبيعية، فالكنوز البشرية أفضل كثيرا من تلك الطبيعية.
إن آفة مجتمعاتنا
العربية والإسلامية أيها السادة تكمن في عدم وضعنا الرجل المناسب في المكان المناسب
واستخدام أسلوب المجاملات العائلية والتنظيمية والسياسية وغيرها للقيام بمنح المسئوليات
المختلفة، ولأجل ذلك فمن غير المستغرب أن تكون النتائج كارثية، أما تداعياتها فتعني
باختصار استمرارنا بالعيش في حالة التيه المستشرية في مجتمعاتنا منذ عقود من الزمن.
إن خطبة الجمعة وعرفة
والأعياد وغيرها كلها مؤتمرات عظيمة يجتمع فيها المسلمون ليتلقوا التوجيهات والتعليمات
المناسبة لهم لمواجهة ما يحيط بهم من أحداث وقضايا، ولذلك فالواجب وكي تكون هذه التجمعات
الجماهيرية الكبيرة ذات الأثر المناسب، عدم اعتلاء منابرها إلا من قبل خطباء مميزين
ومؤثرين يمتلكون أساليب التأثير والاقناع للجمهور، كما أن عليهم أن يكونوا مطلعين بشكل
واسع على الأحوال المعيشية لأبناء الأمة، فإن امتلكوا هذه المقومات كان أثرهم عظيما
واستجابة الناس لهم كبيرة، وإن كان حالهم غير ذلك فستبقى أمتنا تبحث عن مرشدها وهادي
سبيلها في زمن كثرت فيه الفتن والابتلاءات لبلادنا المختلفة.