عزيزة (4-5)

نشر 30 اغسطس 2016 | 11:12

أدار “مُرسي” وجهه ناحية اليمين محاولا إخفاء دموعاً انحدرت على وجهه.. اقترب منه “محمد”، أمسك برأسه ومسح دموعه وتغيرت معالم وجهه التي كانت مستبشرة، وبدأ بإطلاق جملة من الأسئلة: لماذا تبكي.. ما الذي جرى؟ هل أمي بخير؟..

 

حاول “مُرسي” التهرب من أسئلة “محمد” لكنه رضخ أخيرا أمام إصراره، فهو يعلم بأنه لن يتركه إلا إن تحقق ما يصبو إليه..1

 

نظر “مرسي” إلى عيون “محمد” متأملاً إياها وراح لسانه يفضح ما يجول في خاطره: كنت الليلة أمر بجوار منزل والدتك، فسمعتها تُصلي وتدعو لكم بالتوفيق في الثأر من “شلومو”، لكني سمعتها تبكي..

 

وقبل أن يتابع “مرسي” كلماته، استوقفه “محمد” وأطلق ابتسامةً أظهرت بعضا من أسنانه: لا تقلقوا علينا.. نحن بخير وستسمعون أخباراً طيبة بإذن الله.. لكن استمروا بالدعاء لنا، ولا تقبلوا أي وساطة بيننا وبين “شلومو”، فهذه المرة ليست كالمرات السابقة!!.. قسماً بالله ستبقى أمي عزيزةً مرفوعة الرأس ولن يُصيبها ذلٌ بعد اليوم من جانب “شلومو”..

 

اتسعت فتحتي عيون “مُرسي” مستغربا مما يقوله “محمد”، لكن ثمة يدٍ كانت تدفعه بقوة محاولةً إيقاظه لأمر جلل.. وبصعوبة فتح “مُرسي” عيونه ليجد زوجته تجلس بجواره وقد تهللت أساريرها، والسعادة غمرت فؤادها، نهض مُسرعا.. نظر إلى زوجته غاضباً: كيف تجرؤين على الضحك بهذه الصورة؟! أُسكتي.. ألا تشاهدي دماء أبناء “عزيزة”؟! أين ذهبت النخوة والأخلاق؟!..

 

وكلما تحدث “مُرسي” بهذه الكلمات ازدادت ابتسامات زوجته، حتى رفع يده يهم في لطمها علها تتضامن مع جيرانها بمشاعرها، لكن ابنه الذي كان يجلس لجواره أمسك بيده، ومنعها من الاستقرار على وجه والدته. وبينما دموعه تنحدر على وجهه، تحدث لوالده:

 

يا أبي يجب أن نضحك جميعا.. اليوم يوم عيد.. يوم فرحة لكل المسلمين.. أنظر إلى التلفاز لتعرف بنفسك لماذا تنحدر دموعنا فرحاً.. أنظر بنفسك لتعرف لماذا يصدح التكبير والتهليل عبر مكبرات المساجد..

 

أدار “مرسي” وجهه ناحية التلفاز، وفي الشريط الإخباري الذي كان باللون الأحمر، قرأ الخبر العاجل الذي نشرته تلك القناة: أبناء “أبو محمد” يستهدفون (تل أبيب) وأبناء “شلومو” يتركون بيوتهم متجهين صوب القدس..

 

لم يتابع “مُرسي” القراءة حتى النهاية، وانتبه على هاتفه يرن جرسه.. أمسك به جيدا بينما تتوزع معالم الراحة على وجهه وهو يشاهد سعادة “عزيزة” تتناقلها مختلف شاشات التلفزة، استند جيدا على أريكته قبل أن يرد على الهاتف الذي عاود الرنين مرة أخرى، والاستغراب يسيطر على ابنه وزوجته، حيث بدؤوا بلومه: ألن ترد على الهاتف؟! ليس من عادتك ألا ترد في وجه الناس..

 

اكتفى “مرسي” بالتبسم في وجوههم بينما علامات الدهشة غيرت ملامح وجوههم.. رفع سماعة الهاتف وقد كان على الجانب الآخر “شلومو”.. الغضب والخوف سيطر على كلامه الذي كان يصل لحظتها إلى “مرسي” الذي ازدادت علامات سعادته بازدياد الكلمات التي أطلقها “شلومو”: أرجوك.. أرجوك.. يجب أن تتوسط بيني وبين أبناء “عزيزة”.. أبنائي هربوا من (تل أبيب) وأبناء “عزيزة” لم أتخيل أنهم سيردوا بهذا الشكل.. كيف يقصفون أكبر مدينة عندي.. لم يقوموا بذلك في أي مرة سابقة..

 

أطلق “مرسي” قهقهة قوية أغاظت “شلومو” ودفعته للسؤال: كيف تضحك ونحن نموت؟! ألسنا جيران، أليس بيننا معاهدات واتفاقيات وأمن مشترك؟!.

 

اعتدل “مرسي” في جلسته وبحزم تحدث إليه: لقد حذرتك من الاعتداء على “عزيزة”.. قلت لك أن الأوضاع في زمني ليست كما في الماضي… استوقفه “شلومو” وقد علا صوته: ماذا تقصد؟ ألن توقف صواريخ أبناء “عزيزة”..

 

.. يتبع في الحلقة الخامسة والأخيرة بإذن الله..