صورةٌ مسربة ودبلوماسية قذرة

نشر 28 اغسطس 2016 | 10:09

قدَّر الله سبحانه وتعالى أن يتلقى المواطن الفلسطيني المقهور لطمتين في يوم واحد، وقدَّر الله تعالى أن تكون هذه اللطمات أشدُ أثراً على نفسه من وقع الحسام المهند، فهي طعناتٌ تلقاها من جهةٍ المفترض أنها أصمت آذاننا بحديثها المتواصل عن أهمية القضية الفلسطينية في أجندتها وأولوياتها رغم أن أحداث الواقع تذهب إلى غير ما يعلنون.

 

بعد عام على اختطاف أربعة شبان من خيرة أبناء فلسطين كانوا في طريقهم للسفر عبر الأراضي المصرية للعلاج والتعليم ورفض السلطات المصرية إعطاء أي معلومات عنهم رغم كونهم في حمايتها وتحت حراستها المشددة، نشرت العديد من وسائل الإعلام صورة يظهر فيها اثنين من الشبان داخل سجن، يؤكدُ مراقبون أنه مصري ويقع داخل العاصمة المصرية القاهرة، وهي صورةٌ أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن السلطات المصرية استمرت طوال عام كامل تتلذذ في إخفاء أي معلومات لتوضيح مصير هؤلاء الشباب وطمأنة أهلهم وذويهم عنهم.1

 

في ذات المساء وتزامنا مع نشر صورة أولئك الأبطال بمشهد سادي وقذر، تناقلت وسائل الإعلام ذاتها تصريحات لوزير الخارجية المصري سامح شكري رفض فيها اعتبار قتل الاحتلال الإسرائيلي لأطفال فلسطينيين بأنه “إرهاب”، في مشهدٍ قذر صفقت له الصحف العبرية والتي اعتبرته بأنه موقف متقدم للغاية في سبيل تطبيع العلاقات بين الجانبين، بل إنها ذهبت لأبعد من ذلك حينما طالبت الكيان الإسرائيلي بضرورة الحفاظ على الكيان المصري الحالي تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

 

إن هذه الصورة وتلك التصريحات القذرة التي صدرت عن رأس الدبلوماسية المصرية لا يمكن اعتبار إلا أنها تأتي لكشف حقيقة التعامل المصري الرسمي مع القضية الفلسطينية وإن عمل العديد من القادة الفلسطينيين لتزيينه وتجميل صورته وإظهار الحقيقة على عكس ما هي عليه.

 

الحق أحق أن يقال والأجيال يجب أن تدرك جيدا ما يدور خلف الكواليس، ولعل من أهم تلك الحقائق التي تغيب عن ذاكرة الكثير من الأجيال وبخاصة الشابة منها ما يلي:

 

1- يجب إجراء تحقيق مستقل في الدور الرسمي لمصر بتسليم فلسطين منذ عقود من الزمن وسحب سلاح أهلها منها لمنعهم من مقاومة الاحتلال عام 1948م وعام 1967م، والكثير من شهود ما جرى في تلك الفترة لا يزالون على قيد الحياة وبالإمكان طلب شهادتهم.

 

2- إن الحرب على غزة عام 2008م كانت بغطاء دبلوماسي وفرته الخارجية المصرية، وصورة اتكاء وزيرة خارجية الاحتلال الإسرائيلي “تسيفي ليفني” على وزير الخارجية المصري آنذاك أحمد أبو الغيط واطلاقها تهديداتها الصريحة لغزة من القاهرة دون أن تحرك خارجية مصر لذلك ساكنا، هو أمر بحاجة لإجراء تحقيق عن دور مصر في تلك الحرب.

 

3- إن هدم الأنفاق الإنسانية بين غزة ومصر وإغراقها بماء البحر وتشديد الحصار على مليوني مواطن يسكنون غزة جريمة إنسانية مخالفة لكل القوانين والأعراف الإنسانية والبشرية ولن يتم طي تلك الصفحة الأخيرة إلا بمحاكمة المتورطين فيها.

 

4- كل المراقبين أكدوا أن مصر وخلال عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة عام 2014م هي التي تسببت بإطالة أمد الحرب والتدمير للمواطنين الفلسطينيين من خلال مطالبة الاحتلال بذلك، وأهدافها من ذلك كسر شوكة غزة التي أعلنت رفضها الخنوع لإرادة الاحتلال، وهذه مسائل بحاجة للتحقيق فيها وصولاً إلى الحقيقة التي يجب اتخاذا قرارات فلسطينية رداً عليها للقيام بالتعامل الذي يليق بالسياسات المصرية.

 

5- خلال عمليات السفر للمواطنين من غزة والتي تتم خلال الفترات المتباعدة للغاية لفتح معبر رفح “المنفذ الوحيد لأهل القطاع للعالم” يتعرضون لأبشع أنواع المعاملة ويتذوقون أشكالا مختلفة من الإهانات والألفاظ القذرة التي لا تحترم امرأة ولا شيخا عجوزا، ولعل المجال لا يتسع، كما أن أخلاقي لا تسمح بذكر البعض من نماذج تلك الألفاظ والأخلاق التي يتم التعامل بها مع الفلسطينيين خلال السفر عبر “الجارة” مصر.

 

6- إن تصريحات الخارجية المصرية الأخيرة ونفيها لصفة “الإرهاب” عن ممارسته الأولى في المنطقة “إسرائيل” يُوجب اتخاذ إجراء عاجل بحقه وألا يكون ذلك التصريح إنما هو تمهيد لغطاء مصري لأي عدوان يستهدف غزة.

 

هناك الكثير من الحقائق التي تغيب عن بال الكثيرين، ربما لأن الفلسطينيين مشغولين بمحاربة الاحتلال الإسرائيلي غير أن الطعنات التي باتوا يتلقونها بين الفينة والأخرى من الجارة مصر باتت مؤلمة للغاية ويجب أن تتوقف. وإن كان المواطن العادي لا يدري بطبيعة المؤامرات التي تجري في الغرف المظلمة والتي كان آخرها بين وزير الخارجية المصرية ورئيس وزراء الكيان الإسرائيلي في منزل الأخير بالقدس المحتلة، إلا أن الأحداث على الأرض تكشف ما يدور في تلك الغرف.

 

ما من شك فإن العلاقة التي تجمع بين الشعبين الفلسطيني والمصري أقوى من أن يلوثها حاكم هنا وزعيم هناك طرأ على هذا الزمان، فالشعوب “المصري والفلسطيني” التي اختلطت دماؤها على أرض فلسطين وجبلت على سواحلها ستبقى الروابط بينها هي الأقوى وإن سعى وخطط الزعماء لغير ذلك.