الخيمة

نشر 19 مايو 2008 | 09:44

                     

خيمتي عمرها ستون عاماً، جلدها من القماش وأكياس الطحين والخيش، أوتادها أعواد الخشب والحجارة الكبيرة، أرضها الرمال والطين، ترتفع قليلاً عن الشارع حتى لا تدخل المياه فيها أو يحفر على أطرافها بدوداً لتسهل حركة مياه الأمطار ومياه جلي الأواني، سأعيش معكم لحظات قد تطول لتصل إلى عمر نكبتنا، قل طردنا، قل المؤامرة الكبرى ضدنا، أو تقصر بعدد الأيام التي وعدنا بها لنرجع إلى مدننا وقرانا، أو قد تتبدد مع  وعود بوش السرابية التي عبر عنها بكل وقاحة 'سنحتفل بعد ستين عاما بسنة 120 على قيام دولة إسرائيل وقد تكون للفلسطينيين دولة'.
 
الخيمة التي اقترنت صورتها باسم الشعب الفلسطيني اللاجئ، فأينما وجدت خيمة وجدت البؤس، الفقر، الإحباط، التشرد، عمر الخيمة الآن عمر نكبة أبناء شعبي الفلسطيني ستون عاماً، حين أجبر على الهروب والخروج من مدنه وقراه، من حقوله وبساتينه، من ورشه ومصانعه، من بين قصوره ومنازله، من بين شلالاته وبحيرته، من بين ميناء يافا وبراكينه، من مساجده وكنائسه من الأقصى الشريف ومحاربه وقببه وزواياه.
 
خرج أجدادي وهم حيارى ما بين الحقيقة والخيال من بين الشهداء والدماء والدمار أو على قصص المجازر والإعدامات والاغتصاب، لقد انتهج العدو الصهيوني سياسة الأرض المحروقة فما أن يدخل قرية أو مدينة إلاّ ويقتل من يقتل ويغتصب من يغتصب ويشرد من يشرد ومن يبقى حياً يدخلهم غرف الفرز هؤلاء رجال وهؤلاء نساء، فنصيب الرجال القتل المباشر والنساء الاغتصاب والقتل والتشريد وسجل يا تاريخ الأمة أسماء المجازر التي بلغت عدد أسماء المدن والقرى .
 
يقول أحد الضباط لصحفي كنت مشرفاً على 12 جريحاً فلسطينياً فلم يئن أحداً منهم!!؟
 
 ففهم الصحفي عبارته فرد مسرعاً أي قتلتهم؟ قال نعم؟! واتصل بي أصحابي يقولون 'برافو أفي' مع العلم أن الحادثة التي يرويها ذلك الضابط الصهيوني حدثت في مدينة طبريا حيث كان يسكن اليهود والعرب متحابين ولكن نازية اليهود تغلبت على إنسانيتهم فعادوا إلى أصلهم إلى الغدر والخيانة وإنكار الجميل.
 
خيمتي ذات الشادر الرقيق الصغير هي كغيرها من الخيام التي ضربت بأسقاع الأرض في مخيمات مبعثرة مفتوحة مجهولة الهوية والعنوان والهدف؟، لم تق أجدادي من حرارة الشمس ولم تحميهم من قسوة البرد، فتطير مع عواصف ورياح الشتاء، وتلتهب لتصبح فرناً حاراً مع شدة حرارة الشمس الصيفية.
 
خيمتي صغيرة لا تتسع إلاّ لاثنين أو ثلاثة ولست أعرف كيف كانت تضم أسرة كاملة، الجد والجدة والأب والأم والأولاد، ينامون، يتعايشون، لا تعرف أهم أحياء أم أموات، لا تعرف كيف يأكلون كيف يشربون كيف يتناسلون، وخيمة المرحاض الصغيرة التي تتوسط الخيام لا تتسع إلاّ لواحد فقط، فطابور الصباح يمتد إلى عشرات الأمتار ليتسع إلى نزلاء المخيم، أما في أوقات الظهيرة والمساء فيتوافد إلى المرحاض اثنين اثنين يدخل الأول ويحرس الثاني، كثر سكان الخيمة و ما عادت تتسع، وطال الزمن ووعد العودة لم يتحقق.
 
وأنشأت وكالة الغوث لتكون المخدر والمسكن  ( تأسست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) الأونروا) بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 (خامسا) في 8 ديسمبر/كانون أول عام 1949 لغرض تقديم الإغاثة المباشرة وبرامج التشغيل للاجئين الفلسطينيين. وقد بدأت الوكالة عملياتها الميدانية في أول مايو/أيار عام 1950. وفي غياب حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، تقوم الجمعية العامة بالتجديد المتكرر لولاية الأونروا، ويمتد آخر تجديد حتى 30 يونيو/حزيران8 200)، فبنت البيوت المطينة بالطينة ثم بالحجارة، وأنشأت الطعمة( مراكز غذائية)للأطفال وفق كروت صغيرة تعطى لطلبة المدارس ليتناولوا وجبات غذائية بسيطة، وكذلك بنت مراكز التموين لتوزع على الناس المواد التموينية الأساسية مثل الأرز والطحين والزيت والسيرج والسكر وغيرها بجانب 'سرة' صغيرة تحتوي على الملابس البالية التي تتبرع بها دول العالم للشعب الفلسطيني،والتي تقلصت هذه الأيام كثيرا جدا بحجة العجز المالي التي تتعرض له وكالة الغوث.
 

وتمدد المخيمات أفقياً وتعددت مرافقها الصحية والتعليمية والرياضية وأصبحت متمردةً على أهلها وأصدقائها ففرخت الأحياء السكنية المختلفة وزاحمت المدن الكبيرة وتاهت في شوارع البلدان العربية و الغربية ومع ذلك ما زالت الخيمة عنوان الشعب الفلسطيني ولن يكون مخيمات الوليد والنتف التي أفرزتها الحرب الأمريكية على العراق الذين ينتظرون ترحيلهم إلى السودان بأفضل حال من مخيم الرويشد على الحدود العراقية الأردنية التي رحل سكانه لدول( البرازيل وكندا والسويد وتشيلي) بعيدا عن وطنهم الأصلي في ظل ذكرى النكبة لتبدأ نكبة ضياع اللغة والتراث والهوية؟ أما آن لأولى الأمر فينا أن يأخذوا العبر من نكباتنا التي يتفنن العالم بإذلالنا فيها، أما آن لهم أن يعلموا أن لهم اله واحد ونبي واحد و وطن واحد وأرض واحدة وسماء واحدة وساعد واحد وسلاح واحد وقلب واحد!! حينها وفقط ستهدم الخيمة ويكسر القيد ويقتلع السياج وتعود الديار وتعود فلسطين؟؟