كان فصل الشتاء في
بدايته حينما جلست “عزيزة” شاردة التفكير، يسيطر القلق على جوارحها، ويُسرِّعُ من خفقات
فؤادها. صحيح أن ذلك اليوم كان صافياً مُشمساً تمنته منذ عدة أيام، خاصة وأنها تعيش
أياماً باردة تتوسط فصل الشتاء، لكنها هذه المرة تشعر أن ثمة أمر غير طبيعي يدور من
حولها.. وبدون مقدمات تعود عزيزة بذاكرتها إلى الوراء يوما تلو الآخر، بل وعاماً وراء
الآخر.. عادت بذكرياتها علَّها تجدُ تبريراً لتلك التجاعيد التي حفرت أزقة ضيقةً في
وجهها القمحي، أو ليهديها تفكيرها لمعرفة سبب الانحناء الشديد لظهرها رغم أن رأسها
لم يستجب لتحدُبِ ظهرها وبقي شامخاً مرفوعاً.. عزيزة تدرك أن رفع رأسها يجعله ظاهراً
باستمرار، ويزيد من مطامع “شلومو” وأبنائه في استهدافه باستمرار، لكنها تمتلك عقلا
صلباً لا يرضخ أمام التهديد والوعيد.
تعيش عزيزة منذ سنوات
بعيدة مجاورة للبحر.. وكلما أغلقت الدنيا أبوابها في وجهها أدارت عزيزة وجهها ناحية
الغرب، ركزت بصرها في مياه البحر الزرقاء..
باستمرار تجد عزيزة
في البحر أنيساً لوحشتها، فأعداؤها كثيرون. وكلما اشتدت عليها الآلام لا تجد بُداً
من إدارة وجهها ناحية البحر..
في ذلك اليوم صالت
وجالت عزيزة بتفكيرها.. فهي لم تجد من ماضيها إلا الآلام والمآسي، فلا يكادُ يمر عليها
سنة واحدة دون قيام “شلومو” وأبنائه بالاعتداء والهجوم عليها وعلى أبنائها.. سواءً
بطائراته من الجو.. أو دباباته من البر، ولا يترك سفنه التي هي الأخرى تُعكرُ صفو البحر
الذي تُفرِّغُ فيه عزيزة بعضاً من همومها كلما ضاقت عليها الدنيا من أفعال “شلومو”
ومساعديه..
وكلما مرت عزيزة
على محطة من محطات تاريخها توقفت لحظات قليلة أجبرتها عليها دموعها التي تنحدر في شقوق
وتجاعيد وجهها، فهي عزيزة لا تقوى على تذكر أبناءها ولحمهم الذي تناثر في الساحة المقابلة
لها مرات عديدة بفعل صواريخ وقذائف “شلومو”، وكلما مضت السنون تؤمِلُ عزيزة نفسها بالنسيان
وطي صفحة الماضي، ولكن هيهات فجرحها عميق وألمها تراكم عبر السنين، ولا يُفلحُ أحدٌ
من أبناء عزيزة الأحياء على إزالته من ذاكرة والدتهم التي فقدت الكثير من أبناءها في
سنوات ماضية..
لم تمضِ أيامٌ معدودة
على احتضان عزيزة لابنها الأقرب إلى فؤادها “أبو محمد” بعد أيام غاب خلالها عنها، في
زيارة للديار الحجازية حيث أدى نُسك العمرة، في ذلك اليوم كلما انتقلت عزيزة تقلب صفحات
حياتها المليئة بالمعاناة والمآسي توقفت قليلاً مقبوضة الفؤاد، فهي لم ترَ في هذا اليوم
ابنها “أبو محمد”.. ومنذ الصباح ورغم دفء يوم الأربعاء من ذلك الأسبوع إلا أن الخوف
ملك عليها جوارحها كلها، فهي تعلم أن التحليق الكثيف لطائرات “شلومو” في أجواء بيتها
لا يُنتظر من ورائها خيراً لها أو لأبنائها..
اقتربت ساعات ذلك
اليوم من المساء، وبينما انشغلت عزيزة في انتظار ابنها البار، نهضت فزعة من مكانها،
نادت على من حولها: يا أبو فتحي.. أبو باسل.. أبو فؤاد.. “أبو محمد” ما رجع؟؟.
لم تجد عزيزة صعوبة
للنداء على أبنائها في تلك اللحظات، فجميعهم أحاط بها بعد سماعهم لدوي ثلاثة من الانفجارات
في ذلك اليوم..
انتزع “أبو فتحي”
هاتفه بسرعة وأخرجه من بيته على حزام يتوسط جسمه النحيل، وعلى الفور اتصل على شقيقه
“أبو محمد”، صحيحٌ أن قطيعة تسود بينه وبين شقيقه منذ سنوات، لكنه تناسى تلك اللحظات
في هذه الأوقات.. اتصل على شقيقه “أبو محمد”، لكنه لم يفلح في الوصول إليه.. أدار وجهه
يساراً فاستقرت عينيه على شقيقه “أبو باسل” وقد أمسك بجهاز الراديو في انتظار معرفة
الشخص الذي استهدفه “شلومو”، بدأ مُذيع الأخبار يتلو الخبر وقد ارتفعت وتيرة صوته وبدا
الغضب واضحا على حديثه، ومع غضبه اتسعت حدقات عيني “أبو فتحي” و”أبو باسل” وكذلك “أبو
فؤاد” بالاتساع.. والدتهم تراقبهم دون أن تنطق بكلمة سوى ما اعتادت عليه في مثل هذه
الأوقات: حسبنا الله ونعم الوكيل.. الله يصبر أهله..
عاد مذيع الأخبار
مرة أخرى ليتحدث عما جرى، لكنه هذه المرة بدأ بمحاولة طمأنة الناس قبل إعلان اسم من
قتله “شلومو” بصواريخ طائراته..
أدار “أبو باسل”
بوجهه ناحية اليمين حيث يجلس شقيقه “أبو فتحي” موجهاً كلماته إليه: طوال اليوم والطائرات
تنتشر بشكل غير طبيعي، لكن الله يستر، أشعر أن “شلومو” نقض عهده بقتله شخصية كبيرة
جدا هذه المرة ستؤدي لاندلاع حرب بيننا وبينه”، احنا لازم نجهز أنفسنا جيدا..
قطع كلام “أبو باسل”
صوت مُذيع الأخبار حينما قال: نزفُ إلى شعبنا الفلسطيني خبر استشهاد المجاهد الكبير
“أبو محمد” الذي قضى بصواريخ “شلومو”..
انتفض أبناء عزيزة
من أماكنهم وارتفع هتافهم: الله أكبر ولله الحمد، أما عزيزة فاحتضنت أبنائها الثلاثة
ودموعها تنحدر على رؤوسهم، ابتعدت قليلا عنهم وبدأت تتكلم إليهم:
اليوم استشهد أخوكم
“أبو محمد” وينبغي أن نتوحد جميعا في مواجهة “شلومو” ونثأر لدماء حبيبنا “أبو محمد”..
يجب علينا أن نحتضن أبنائه وأن نحافظ عليهم ولا نتركهم وحدهم في مواجهة مكر “شلومو”..
الآن لن يسكت أبناء أخيكم “أبو محمد” وينبغي ألا تسكتون أنتم كذلك على هذه الجريمة،
فـ” أبو محمد” قدم الكثير لفلسطين ولا ينبغي أن تمر جريمة قتله بهذه السهولة، لكن أملي
أن تكونوا متكاتفين وأن تتناسوا كل الخلافات التي كانت بينكم خلال السنوات الماضية..
وعلى عجلة مضى أبناء
عزيزة الباقين بعد انتهائها من وصاياها لهم، ولم يجدوا سبيلا إلا التوجه لإلقاء النظرة
الأخيرة على شقيقهم “أبو محمد” قبل مواراته الثرى.. وهناك حيث استقر جثمان “أبو محمد”
أحاط به أبناؤه دموعهم تنحدر على وجوههم.. تقدم الأخوة الثلاثة لأبي محمد ومن خلفهم
أبنائهم، ودون الانتظار كثيرا تقدموا نحو بعضهم البعض وأحاطت يدي كل واحد منهما بالآخر
وبدأت الدموع تنهمر من عيونهم جميعا، فاستشهاد “أبو محمد” أعادهم إلى سيرتهم الأولى
في المحبة والتعاطف، والوقوف صفا واحدا في مواجهة “شلومو”..
نزع أبناء “أبو محمد”
أيديهم التي أحاطت بأعناق أبناء عمومتهم بعدما انتبهوا لزيادة التحليق لطائرات “شلومو”
في سماء المستشفى التي تواجدوا بها، وانتبه “محمد” لصوت مكبر الصوت الذي بدأ يصدح بغضب:
أيها الشباب.. أيها المواطنون، نحتسب عند المولى عز وجل شهيدنا وحبيبنا “أبو محمد”،
ونرجو منكم الابتعاد بهدوء عن المكان وعدم التجمهر، فطائرات “شلومو” تُحلقُ بالعشرات
ولا نريدُ أن نفقد أحداً منكم فالردُ بانتظارنا جميعا على جريمة قتل “أبو محمد” ومرافقه
الشخصي..
فجأة قطع صوت مكبر
الصوت دوي سيارات الإسعاف التي وصلت إلى المستشفى حيث يتواجد “محمد” وأبناء أعمامه،
وبدون وعي أخذوا يتسابقون لمعرفة ما جرى.. انتهوا جميعا بجوار سيارة الإسعاف، وقف
“محمد” شاخصا بصره بعدما لمح ما تحمله سيارة الإسعاف، وصدح بأعلى صوته: الله أكبر..
ما ذنب هذه الطفلة التي لم تتجاوز عشرة أعوام حتى يُقطع رأسها عن جسدها صواريخ “شلومو”..
الله أكبر.. حي على الجهاد.. أقسم بالله سيندم على هذه الجرائم..
ترك “محمد” والده
في المستشفى مسجى حيث يحيط به الآلاف من جيرانه وأحبابه، وشلالات من الدموع لا تزال
تنحدر من عيونهم التي بات يميل لونها ناحية الاحمرار.. وفي المكان الذي أعده والده
على مدار سنوات طويلة بصحبة أبنائه، اتجه “محمد”.. مرت عدة ساعات.. أسدل الليل بستاره
فلم تعد عزيزة ترى شيئاً، غير أنه لم يفارق سمعها في تلك الليلة دوي طائرات “شلومو”
التي لم تترك ناحية تعلو بيتها إلا حلقت فيها..
بدأت الخواطر تزاحم
تفكير عزيزة مرةً أخرى. صحيح أن طائرات “شلومو” قتلت ابنها الأكبر “أبو محمد”، لكن
تواصل تحليقها يعني أن تلك الطائرات ستواصل القصف والقتل لأبنائها وأهلها التي تعلم
جيداً بأنهم سينتقمون لقتل والدهم حتى وإن حلقت كل طائرات الدنيا..
لم تجد عزيزة بُداً
من الدعاء لأبنائها في تلك الليلة شديدة الظلمة بالتوفيق والحفظ من مكر “شلومو” أو
“بن سلول” الذي جنده عميلاً له يرصد تحركات أبناء عزيزة.
قامت وقد تثاقلت
مشيتها كثيراً.. أمسكت بإبريق الماء وأيديها ترتجفُ.. سكبت الماء على يديها الواحدة
تلو الأخرى، ولم يتوقف لسانها عن التسبيح والتهليل، وبعد لحظات قليلة أنهت عزيزة وضوئها
وقد انتصف الليل.. مدت سجادتها على الأرض.. رفعت يديها صوب السماء وكلها أمل بالتوفيق
لأبنائها، ولم يسمع الجيران منها في تلك الليلة إلا الإكثار من قولها: الله أكبر..
وبينما هي على هذه
الحالة، مر بجوار بيتها “مُرسي”.. استمع لصوتها بينما كانت رافعة يديها إلى السماء
باكيةً: يا رب، يا ذا الجلال والإكرام.. احفظني واحفظ أبنائي من كل سوء.. يا رب انتقم
من “شلومو” وأبنائه..
انحدرت الدموع على
وجه “مُرسي” بينما كان يكتفي بقوله: آمين.. آمين.
مضى “مُرسي” واتجه
صوب بيته وأمضى ليلته يقلبُ التلفاز على محطات الأخبار عله يجدُ خبرا تتسلل من خلاله
الطمأنينة لصدره، فمنذ قتل “شلومو” لجاره “أبو محمد” لم يصله أي معلومات حول مصير أبناء
جاره العزيز.. لم يصله إلا أخبار تواصل القتل والقصف الذي أزهق أرواح العشرات من أبناء
المدينة التي كان يقطن فيها “أبو محمد”..
الساعة تلو الأخرى
مضت في تلك الليلة دون أن يأتي خبر سعيد.. غالب النُعاس عيون “مرسي” ولم يقوَ أكثر
من ذلك على استمرار الاستيقاظ..
أغلقت جفون “مرسي”
أبوابها بهدوء، وخلال لحظات جاءه “محمد” يسعى باطمئنان.. انتفض “مُرسي” خوفاً عليه
وصاح فيه: يا “محمد” الله يرضى عنك انتبه جيدا للطائرات.. ألا تسمع صوتها الغاضب وهي
تبحثُ عنك وتسعى لقتلك كما قتلت أبيك..
وبينما كان يينتفض
خشية على “محمد” أشار إلى الناحية الأخرى: اجلس أسفل تلك الشجرة لعلها تحجبك عن نظر
الطيران.. فنحن نحتاجك بيننا..
أدار “مُرسي” وجهه
ناحية اليمين محاولا إخفاء دموعاً انحدرت على وجهه.. اقترب منه “محمد”، أمسك برأسه
ومسح دموعه وتغيرت معالم وجهه التي كانت مستبشرة، وبدأ بإطلاق جملة من الأسئلة: لماذا
تبكي.. ما الذي جرى؟ هل أمي بخير؟..
حاول “مُرسي” التهرب
من أسئلة “محمد” لكنه رضخ أخيرا أمام إصراره، فهو يعلم بأنه لن يتركه إلا إن تحقق ما
يصبو إليه..
نظر “مرسي” إلى عيون
“محمد” متأملا إياها وراح لسانه يفضح ما يجول في خاطره: كنت الليلة أمر بجوار منزل
والدتك، فسمعتها تُصلي وتدعو لكم بالتوفيق في الثأر من “شلومو”، لكني سمعتها تبكي..
وقبل أن يتابع “مرسي”
كلماته، استوقفه “محمد” وأطلق ابتسامةً أظهرت بعضا من أسنانه: لا تقلقوا علينا.. نحن
بخير وستسمعوا أخباراً طيبة بإذن الله.. لكن استمروا بالدعاء لنا، ولا تقبلوا أي وساطة
بيننا وبين “شلومو”، فهذه المرة ليست كالمرات السابقة!!.. قسما بالله ستبقى أمي عزيزة
مرفوعة الرأس ولن يُصيبها ذل بعد اليوم من جانب “شلومو”..
اتسعت فتحتي عيون
“مُرسي” مستغربا مما يقوله “محمد”، لكن ثمة يدٍ كانت تدفعه بقوة محاولة إيقاظه لأمر
جلل.. وبصعوبة فتح “مُرسي” عيونه ليجد زوجته تجلس بجواره وقد تهللت أساريرها، والسعادة
غمرت فؤادها، نهض مُسرعا.. نظر إلى زوجته غاضباً: كيف تجرؤين على الضحك بهذه الصورة؟!
أُسكتي.. ألا تشاهدي دماء أبناء عزيزة؟! أين ذهبت النخوة والأخلاق؟!..
وكلما تحدث “مُرسي”
بهذه الكلمات ازدادت ابتسامات زوجته، حتى رفع يده يهم في لطمها علها تتضامن مع جيرانها
بمشاعرها، لكن ابنه الذي كان يجلس لجواره أمسك بيده، ومنعها من الاستقرار على وجه والدته.
وبينما دموعه تنحدر على وجهه، تحدث لوالده:
يا أبي يجب أن نضحك
جميعا.. اليوم يوم عيد.. يوم فرحة لكل المسلمين.. أنظر إلى التلفاز لتعرف بنفسك لماذا
تنحدر دموعنا فرحاً.. أنظر بنفسك لتعرف لماذا يصدح التكبير والتهليل عبر مكبرات المساجد..
أدار “مرسي” وجهه
ناحية التلفاز، وفي الشريط الإخباري الذي كان باللون الأحمر، قرأ الخبر العاجل الذي
نشرته تلك القناة: أبناء “أبو محمد” يستهدفون (تل أبيب) وأبناء “شلومو” يتركون بيوتهم
متجهين صوب القدس..
لم يتابع “مُرسي”
القراءة حتى النهاية، وانتبه على هاتفه يرن جرسه.. أمسك به جيدا بينما تتوزع معالم
الراحة على وجهه وهو يشاهد سعادة عزيزة تتناقلها مختلف شاشات التلفزة، استند جيدا على
أريكته قبل أن يرد على الهاتف الذي عاود الرنين مرة أخرى، والاستغراب يسيطر على ابنه
وزوجته، حيث بدؤوا بلومه: ألن ترد على الهاتف؟! ليس من عادتك ألا ترد وجه الناس..
اكتفى “مرسي” بالتبسم
في وجوههم بينما علامات الدهشة غيرت ملامح وجوههم.. رفع سماعة الهاتف وقد كان على الجانب
الآخر “شلومو”.. الغضب والخوف سيطر على كلامه الذي كان يصل لحظتها إلى “مرسي” الذي
ازدادت علامات سعادته بازدياد الكلمات التي أطلقها “شلومو”: أرجوك.. أرجوك.. يجب أن
تتوسط بيني وبين أبناء عزيزة.. أبنائي هربوا من (تل أبيب) وأبناء عزيزة لم أتخيل أنهم
سيردوا بهذا الشكل.. كيف يقصفون أكبر مدينة عندي.. لم يقوموا بذلك في أي مرة سابقة..
أطلق “مرسي” قهقهة
قوية أغاظت “شلومو” ودفعته للسؤال: كيف تضحك ونحن نموت؟! ألسنا جيران، أليس بيننا معاهدات
واتفاقيات وأمن مشترك؟!.
اعتدل “مرسي” في
جلسته وبحزم تحدث إليه: لقد حذرتك من الاعتداء على عزيزة.. قلت لك أن الأوضاع في زمني
ليست كما في الماضي… استوقفه “شلومو” وقد علا صوته: ماذا تقصد؟ ألن توقف صواريخ أبناء
عزيزة..
في هذه اللحظات تذكر
“مرسي” رؤيته لمحمد في منامه وقد طالبه بعدم التدخل، فرد بسرعة وبكل برودة أعصاب على
استغاثة “شلومو”: أنا آسف لن أتدخل ما دمت كسرت كلمتي. بإمكانك وقف صواريخ أبناء عزيزة
بنفسك..
أطرق “شلومو” برأسه
وجلس بهدوء.. أرجع رأسه للوراء ليسنده على أريكته، وما إن استقر قليلاً حتى دوى انفجار
آخر في المكان.. نهض مفزوعاً من مكانه وأخذ يضرب يديه الكف في الآخر: كيف ارتكبتُ هذه
الحماقة وقتلت “أبو محمد”؟؟ أين كان عقلي حينها؟؟.
لحظات وقطع تفكيره
رنين جرس هاتفه، رفع سماعة الهاتف ليجد على الجانب الآخر “غانتس” رئيس هيئة أركانه
وعلى الفور سأله:
أين الانفجار هذه
المرة يا “غانتس”؟؟، شهق “غانتس” هواء عميقا، قبل أن يقول: لقد أصاب صاروخ قبل قليل
مبنى البرلمان..
أغلق “شلومو” سماعة
الهاتف غاضباً: وماذا بعد..
وبعد سبعة أيام من
محاولات اتصاله بـ” مرسي” الذي رفض الرد عليه طوال تلك الفترة، وبينما كانت الساعة
تشير نحو العاشرة مساء رفع “مرسي” سماعة هاتفه ليرد على اتصال “شلومو”، وبدأه بقوله:
ماذا تُريد؟؟، ليجيبه “شلومو” الذي كان مرعوباً مباشرة: اللي بدو إياه “محمد” وأبناء
عزيزة أنا جاهز أعمله..
ضحك “مرسي” واندفع
قائلاً: تخرج وتعتذر وتطلب وقف إطلاق النار وتسحب جنودك من البحر ومن جوار بيت عزيزة
وتنسحب إلى المكان الذي كنت فيه قبل سبعة أعوام.. قطعه “شلومو” مُسرعاً، وقال: لكن
هذه مطالب كثيرة..
رد عليه “مرسي”:
كما تشاء، وبإمكانك إيجاد من يتوسط لك عند “محمد”، وقبل أن يغلق “مرسي” هاتفه استوقفه
“شلومو”: لا.. لا.. كما تريدون..
اختتم “مرسي” اتصاله
مع “شلومو” مطلقا عبارات التحذير له: لذلك تخرج الليلة وتعلن الالتزام بهذه الشروط..
وبينما كانت هذه
الاتصالات تجري في الخفاء، تسمرت عزيزة حول التلفاز تتابع ما يجري لأبنائها وأحفادها،
وفجأة توقف البث وبدأ ينقل صور “شلومو”، نظرت إليه عزيزة باستغراب: الله يستر، ماذا
يريد هذا المجرم..
قطع تفكيرها مباشرة
كلمات “شلومو”، حيث بدأ يعتذر لأبناء عزيزة وأنه أخطأ بحقهم وقتل قائدهم الكبير “أبو
محمد” وأعلن بينما أخفض رأسه صوب الأرض: سنتوقف عن إطلاق النار الساعة الثانية عشر
من هذه الليلة.. وما إن أكمل “شلومو” كلماته حتى بدأ أبناء عزيزة يصدحون بأعلى صوتهم:
الله أكبر ولله الحمد.. جاء الحق وزهق الباطل..
وما إن أشارت عقارب
الساعة صوب الساعة الثانية عشر من تلك الليلة حتى خرج أبناء عزيزة إلى الشوارع في سياراتهم
وعلى أرجلهم، وأطلقوا الألعاب النارية في الهواء.. وبينما كان “أبو باسل” يلبس قبعته
الحمراء قابله “أبو فتحي” الذي حمل علما أصفر في يده اليسرى.. دموع الفرحة لم تترك
فيهم أحداً إلا انحدرت على وجهه، وبينما هم كذلك أقبل عليهم “محمد” يزين جبهته بعصبة
خضراء تزينها عبارة التوحيد والابتسامة تعلو وجهه، فأقبلوا عليه واحتضنوه، وأخذوا يتبادلون
التهاني فيما بينهم.. فقد علموا بأنه من استهدف (تل أبيب) وأجبر “شلومو” على الاستسلام..
أما عزيزة فأخذت
تترنح يمينا ويسارا وزينت وجهها بألوانها المحببة إليها الأخضر والأصفر والأحمر والأبيض..
التف من حولها أبناء “أبو محمد” محمد وباقي أبنائها “أبو فتحي” و”أبو باسل” و”أبو فؤاد”
وغيرهم.. احتضنتهم جميعاً، طالبةً منهم الجلوس في جوارها، فبادرها “محمد” بالكلام:
لقد أخبرني جارنا “مرسي” بصلاتك ودعائك لنا ودموعك في تلك الليلة وأنتِ تعيشين القلق
علينا، وحينها أقسمتُ أن تبقي عزيزة رغم الدم والقتل في إخواني وأبناء أعمامي.. وها
أنا قد بررت بقسمي بفضل الله تعالى..
ابتسمت عزيزة ومسحت
على وجه “محمد” قبل أن تضع يديها على يمين ويسار وجهه وتتحدث إليه: صدق من قال.. اللي
خلف ما مات.. الحمد لله الذي أحياني حتى أرى هذا النصر بعيوني..
نهض “محمد” من مكانه،
وأطلق عددا من الجمل لم يفهمها الحاضرين، لكن “أبو فتحي” تقدم صوبه وسأله عما يقول،
فرد “محمد” عليه بلغة الواثق بعد أن أدار عيونه صوب الشرق: انتهت هذه الجولة بفضل الله
باستسلام “شلومو”.. يجب علينا التجهيز للجولة القادمة.. القدس لا تزال ذليلة ويجب أن
تعود لتكون عزيزة..
ضحكوا جميعاً من
كلام “محمد” وناموا ليلتهم وقد تعاهدوا للعمل في سبيل تحرير القدس..
(5-2)
انتزع “أبو فتحي”
هاتفه بسرعة وأخرجه من بيته على حزام يتوسط جسمه النحيل، وعلى الفور اتصل على شقيقه
“أبو محمد”، صحيحٌ أن قطيعة تسود بينه وبين شقيقه منذ سنوات، لكنه تناسى تلك اللحظات
في هذه الأوقات.. اتصل على شقيقه “أبو محمد”، لكنه لم يفلح في الوصول إليه.. أدار وجهه
يساراً فاستقرت عينيه على شقيقه “أبو باسل” وقد أمسك بجهاز الراديو في انتظار معرفة
الشخص الذي استهدفه “شلومو”، بدأ مُذيع الأخبار يتلو الخبر وقد ارتفعت وتيرة صوته وبدا
الغضب واضحا على حديثه، ومع غضبه اتسعت حدقات عيني “أبو فتحي” و”أبو باسل” وكذلك “أبو
فؤاد” بالاتساع.. والدتهم تراقبهم دون أن تنطق بكلمة سوى ما اعتادت عليه في مثل هذه
الأوقات: حسبنا الله ونعم الوكيل.. الله يصبر أهله..1
عاد مذيع الأخبار
مرة أخرى ليتحدث عما جرى، لكنه هذه المرة بدأ بمحاولة طمأنة الناس قبل إعلان اسم من
قتله “شلومو” بصواريخ طائراته..
أدار “أبو باسل””
بوجهه ناحية اليمين حيث يجلس شقيقه “أبو فتحي” موجهاً كلماته إليه: طوال اليوم والطائرات
تنتشر بشكل غير طبيعي، لكن الله يستر، أشعر أن “شلومو” نقض عهده بقتله شخصية كبيرة
جدا هذه المرة ستؤدي لاندلاع حرب بيننا وبينه، احنا لازم نجهز أنفسنا جيدا..
قطع كلام “أبو باسل”
صوت مُذيع الأخبار حينما قال: نزفُ إلى شعبنا الفلسطيني خبر استشهاد المجاهد الكبير
“أبو محمد” الذي قضى بصواريخ “شلومو”..
انتفض أبناء “عزيزة”
من أماكنهم وارتفع هتافهم: الله أكبر ولله الحمد، أما “عزيزة” فاحتضنت أبنائها الثلاثة
ودموعها تنحدر على رؤوسهم، ابتعدت قليلا عنهم وبدأت تتكلم إليهم:
اليوم استشهد أخوكم
“أبو محمد” وينبغي أن نتوحد جميعا في مواجهة “شلومو” ونثأر لدماء حبيبنا “أبو محمد”..
يجب علينا أن نحتضن أبنائه وأن نحافظ عليهم ولا نتركهم وحدهم في مواجهة مكر “شلومو”..
الآن لن يسكت أبناء أخيكم “أبو محمد” وينبغي ألا تسكتون أنتم كذلك على هذه الجريمة،
فـ” أبو محمد” قدم الكثير لفلسطين ولا ينبغي أن تمر جريمة قتله بهذه السهولة، لكن أملي
أن تكونوا متكاتفين وأن تتناسوا كل الخلافات التي كانت بينكم خلال السنوات الماضية..
وعلى عجلة مضى أبناء
“عزيزة” الباقين بعد انتهائها من وصاياها لهم، ولم يجدوا سبيلا إلا التوجه لإلقاء النظرة
الأخيرة على شقيقهم “أبو محمد” قبل مواراته الثرى.. وهناك حيث استقر جثمان “أبو محمد”
أحاط به أبناؤه دموعهم تنحدر على وجوههم.. تقدم الأخوة الثلاثة لأبي محمد ومن خلفهم
أبنائهم، ودون الانتظار كثيرا تقدموا نحو بعضهم البعض وأحاطت يدي كل واحد منهما بالآخر
وبدأت الدموع تنهمر من عيونهم جميعا، فاستشهاد “أبو محمد” أعادهم إلى سيرتهم الأولى
في المحبة والتعاطف، والوقوف صفا واحدا في مواجهة “شلومو”..
نزع أبناء “أبو محمد”
أيديهم التي أحاطت بأعناق أبناء عمومتهم بعدما انتبهوا لزيادة التحليق لطائرات “شلومو”
في سماء المستشفى التي تواجدوا بها، وانتبه “محمد” لصوت مكبر الصوت الذي بدأ يصدح بغضب:
أيها الشباب.. أيها المواطنون، نحتسب عند المولى عز وجل شهيدنا وحبيبنا “أبو محمد”،
ونرجو منكم الابتعاد بهدوء عن المكان وعدم التجمهر، فطائرات “شلومو” تُحلقُ بالعشرات
ولا نريدُ أن نفقد أحداً منكم فالردُ بانتظارنا جميعا على جريمة قتل “أبو محمد” ومرافقه
الشخصي..
.. يتبع في الحلقة الثالثة بإذن الله..