حكايةُ الجيب الأبيض

نشر 07 اغسطس 2016 | 10:17

فوجئ “محمود” بمشهد الغنى ورغد العيش الذي أصبح عليه صديقه “مرزوق”، ولولا أن الجيب الأبيض الذي امتلكه “مرزوق” توقف أمام منزله ايذاناً بنزوله إليه تلبية لاجتماعٍ دعت إليه مجموعة عسكرية للمقاومة الفلسطينية تربط من خلالها علاقات بين “مرزوق” و “محمود”، لسيطرت حالةٌ من الشك على “محمود” لوقوف تلك السيارة ذات الدفع الرباعي أمام منزله قبل نزول صديقه منها، والذي غاب عنه لعدة شهور.1

 

تصافح الاثنان وسط الدهشة التي لا تزال مسيطرة على “محمود” الذي بقي بصره مرتكزاً على سيارة صديقه والتي يصل ثمنها لأكثر من ثلاثين ألف دولار، فما كان من “مرزوق” إلا أن قطع حالة الصمت من صديقه بقوله:

 

أنا لم أسرق، وهذه قصة طويلة سأخبرك عنها بعد الجلوس.

 

دخل الاثنان إلى بيت “محمود” مسئول المجموعة التي يعمل بها الاثنين ويلتقيان بين فترات متباعدة لإبعاد الشكوك عنهما، ونسي “محمود” للوهلة الأولى موضوع الاجتماع ليطلب من صديقه “مرزوق” إخباره الحقيقة، وافق “مرزوق” بعد وعدٍ من صديقه بألا يُخبر أحداً عن تفاصيل حكايته واسمه الحقيقي لأحد من الناس. يقول “مرزوق”:

 

تعلم بأني كنتُ أعمل في أحد المراكز التجارية بمدينة غزة وبراتب قليل للغاية، واتصلت أنت بي قبل عدة شهور للمشاركة في دورة عسكرية يتم تنظيمها لمثل تخصصنا مرةً واحدة كل عدة سنوات، وطلبتُ اذناً لها من صاحب المتجر لمدة أسبوعين، فأخبرني بأنني إن تغيبت هذه الفترة فلن يسمح لي بالعودة إلى العمل عنده مرةً أخرى.

 

رجعتُ إلى بيتي في تلك الليلة مهموماً، وكنتم بانتظار ردي على المشاركة من عدمها في هذه الدورة، فقررتُ المشاركة مهما كانت النتائج، فوطني يستحق التضحية، وقد استذكرتُ حديث أستاذي في الجامعة بإحدى المحاضرات، حين قال ذات يوم: “من تركَ شيئاً لأجل الله، عوضه الله بأحسن منه”، وهذا ما كان، فقد تركتُ عملي لأجل هذه الدورة التي ستنهض بعملي العسكري ضمن المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

 

انتهيتُ من الدورة التي تم تمديدها لأسبوع ثالث، ورجعتُ لبيتي لتبدأ رحلة التفكير عندي، غير أني جازفتُ بالعودة لعملي، فما كان منهم إلا بتبليغي بقرار الاستغناء عني، ولدى عودتي للبيت هاتفني صديقي “عادل” ليخبرني بأن أحد المكاتب الدولية الكبيرة العاملة في قطاع غزة طلب محاسباً للعمل عنده وهو نفس تخصصي الجامعي، ويوم الخميس التالي ستكون المقابلات لهذه الوظيفة.

 

تجهزتُ للذهاب إلى المقابلة، لكني استيقظتُ بعد أن غرقتُ في نومي لأجد بأنه قد فات موعد المقابلة، كنتُ متردداً هل أتوجه للمقابلة أم لا، فتوجهت، ليخبروني بانتهاء الموعد. خرجتُ حزيناً من المكتب ليجدني في طريقي مدير ذلك المكتب الذي يزور غزة على فترات متباعدة، فاستوقفني ليسألني عن سبب حزني. أخبرته بذلك فطلب مني الدخول إلى مكتبه، ولما أخبرته بتأخري على المقابلة طلب من اللجنة مقابلتي وبحضوره، فأعجبت اللجنة بقدراتي وقرروا توظيفي مباشرةً وبراتب أكبر أضعافاً كثيرة مما كنتُ أتقاضاه بالمتجر.

 

مرت الأيام، وبعد حوالي عشرين يوماً زار ذلك المدير غزة، فالتقى بالموظفين فسألني عن أحوالي، فأخبرته بأني أسعى للزواج، فقرر إعطائي عشرة آلاف دولار، خمسةً منها للزواج والأخرى كقرض حسن أبدأ بسدادها بعد الزواج، لتتكرر عودته لغزة بعد فترة من الزمن ليسألني عما فعلت، وحينما أخبرته بنبأ زواجي، قال لي: الخمسة آلاف الخاصة بالقرض هي نقوطٌ مني لك.. حينها خررتُ ساجداً لله على نعمه.

 

وفي زيارته الأخيرة، شاهدني ذلك المسئول بالسيارة التي وفرها مكتبه لي لإنجاز المهام التي أقوم بها، وكانت صغيرةً ومتواضعة، وقبل عودته لبلاده أصدر قراراً بمنحي السيارة ذات الدفع الرباعي التي تقف على باب منزلك في هذا الوقت، واستلام السيارة القديمة.

 

دمعت عيون “محمود” وهو يستمع لقصة زميله “مرزوق” وأخذ يحتضنه وهو يقول: ألم أخبرك بأن الله قادر بين ليلة وضحاها أن يُغير حالك من الفقر الشديد الذي كنت تحياه إلى درجات لا يعلم بها إلا هو، فقط كن مع الله ولا تُبالي.