مع دخول يوم الاثنين الخامس والعشرين من أغسطس 2014م حيز الزمن، بدأت
التسريبات تصل إلينا عن تهدئة كاملة تقودها مصر، لكننا لم نكن نجرؤ على إعلان مثل هذا
الأمر للمواطنين وبقينا ننتظر ونراقب ونتحسس الأخبار بصمت.
وفي ساعات الفجر انتفضتُ على أصوات انفجارات هائلة رجَّت من حي الزيتون،
وليس بعيداً عن المنزل الذي أقطن فيه، وبدأ القلق ينتابني على أهل بيتي الذين عادوا
منذ أيام للمكوث في البيت رغم المخاطر، فقد وجدوا أن أيام الحرب طالت، أما أنا فقمت
بمهاتفتهم ومحاولة تثبيتهم، بينما لساني لم يفتر عن الدعاء لهم بالحفظ والرعاية، وبخاصة
كلما سمعت دوي انفجار من حولهم عبر سماعة الهاتف.1
هدأت عمليات القصف التي صعدت منها قوات الاحتلال خلال ساعات الفجر ودمرت
من خلالها العديد من المنازل والمنشآت والمساجد، وساد بعض الهدوء خلال ساعات نهار ذلك
اليوم، باستثناء الانفجارات التي ازدادت وتيرتها لفصائل المقاومة الفلسطينية، وهو تكثيف
للعمليات في مؤشر أكد بأن الهدنة باتت على الأبواب، وهذا ما تعلمناه من المواجهات الماضية
للمقاومة الفلسطينية مع العدو الإسرائيلي، فالمقاومة تميل إلى الزيادة في توجيه ضرباتها
وبخاصة خلال الساعات الأخيرة، لتقول للاحتلال بأنه بإمكانه بدء العدوان بينما المقاومة
الفلسطينية هي صاحبة القرار بنهايتها.
ومع ساعات عصر اليوم، أبى هذا اليوم أن يمضي دون أن يضم إلى قائمة الشهداء
الزميل الصحفي عبد الله مرتجى الذي ارتقى بقذائف الاحتلال في قصف تعرض له حي الشجاعية
شرق غزة.
وصل الزميل “مرتجى” إلى مستشفى الشفاء بغزة جثة هامدة، وقد اختلطت الدماء
بالغبار ورسمت معالم أخرى على وجهه، أما نحن الصحفيين فقد تجمعنا من حوله. بكيناه..
مسحنا الغبار والدماء عن وجهه، زالت الغبار، لكن الدماء واصلت انسيابها، ومضينا إلى
تغطياتنا الإعلامية مرة أخرى.
وفي ساعات المساء، بدأت فصول حكاية أخرى، تجسدت في تكثيف قوات الاحتلال
لعمليات قصفها للبيوت والشقق السكنية، بل خرج الأمر عن المألون باستهداف وتدمير العديد
من الأبراج السكنية التي تحتوي العشرات من الشقق السكنية، فقد دمرت برج الإيطالي وبرج
الباشا، في محاولة يائسة أخرى من قبل العدو الإسرائيلي لدفع المواطنين نحو لفظ المقاومة
الفلسطينية والانتفاض عليها، لكن الرسالة الفلسطينية جاءت مغايرة لطموح الاحتلال، وأثبت
الشعب وقوفه من خلف مقاومته مهما كلفه ذلك من ثمن.
على الرغم من ذلك، فإن الساعات التي أعقبت استهداف الأبراج السكنية كانت
صعبةً على مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني، ومن بينها الصحفيون، فالأحداث متسارعة، والشائعات
باتت كثيرة، وإخمادها استنزف جهداً كثيراً، وربما ما ساهم في نشرها غياب مصادر المعلومات
نتيجة تشديد ضربات الاحتلال الإسرائيلي لرجال المقاومة الفلسطينية.
لكن البشريات وصلت من العاصمة المصرية القاهرة، بأن اتفاق وقف العدوان
سيرى النور خلال فترةٍ قصيرة، وهي معلومات وصلتنا لكن كان محظوراً علينا أن نخرج عبر
الهواء مباشرة للحديث عنها، خشية مباغتة الاحتلال الإسرائيلي للمواطنين في الوقت الأخير
قبل التطبيق، وهو ما كان يفعله في حروبه السابقة بحق غزة وأهلها.
لقد وجدتُ متسعاً عبر صفحتي على موقع الفيس بوك كالعادة، وخرجت برسالة
تطمين للمواطنين في هذه الظروف العصيبة، وكتبت منشوراً قلتُ فيه “إخواني وأخواتي..
أنتظركم في شوارع غزة و فلسطين بعد سريان وقف إطلاق النار وانتصار الشعب والمقاومة
الفلسطينية على أحزاب العالم في معركة العزة والبطولة. أنتظركم لنقل مشاعركم بالنصر
والتمكين لكم وللمقاومة.. أنتظركم، فكما نقلت معاناتكم أطمح لنقل مشاعر الفرحة والسعادة
لكم.. أنتظركم يا أغلى الناس وأشرف الناس، أنتظركم يا درة التاج ويا تاجاً فوق الرأس..”.
وبمجرد كتابة هذه الكلمات، وجدت تعليقات كبيرة وتساؤلات متعددة ترغب بمعرفة
ما أقصده، بل إن بعضهم استحلفني بالله إخباره عما يجري في الغرف المغلقة، لكنني لم
أستطع القيام بذلك وإن كنتُ أتمنى إسعاد أبناء شعبي، لكننني سأكون حزينا للغاية إن
نقلتُ خبراً للناس، فخرجوا للشوارع واستهدفهم العدو الإسرائيلي قبل دقائق من سريان
الاتفاق، لذلك قررتُ الصمت على إعطاء مزيد من التفاصيل.
وفي نهاية اليوم الواحد والخمسين للعدوان على غزة دون كسرها أو هزيمتها،
خرجت الجماهير رغم دمائها التي خضبت أجسامها أو ملابسها، خرجوا لشوارع غزة وأعلت النساء
الزغاريد، وهتفوا جميعاً للمقاومة ورجالاتها الذين صنعوا تاريخاً لم تفلح جيوشاً عربية
جرارة على صناعته.
أما أنا فخرجت لتغطية مسيرات الفرحة التي انطلقت في كل مكان، فقاطعني
العديد من المواطنين أحضاناً ومصافحات ودعواتٍ مخلصات، حينها أدركت معني أن تكون صحفياً
من غزة وأن تعمل ضمن إحدى وسائل إعلام المقاومة الفلسطينية، وهو خيرٌ لم يحظَ به الكثير
من زملائي الصحفيين والإعلاميين.
ما أجملها من ساعات أمضيتها متجولاً في شوارع غزة ناقلاً رسائل يغلب عليها
صوت زغاريد نساء غزة، بعد وقت قليل عن نقل رسائل تتحدث عن معاناة، لكننا رغم الفرحة
العارمة فقد كان القرار في مؤسستنا أن لا ننسى في هذه الأجواء الدماء النازفة للشهداء
وأنات المصابين ودمار البيوت والمنشآت، وأن ننسب الفضل بعد الله تعالى في هذا النصر
والتمكين لكل تلك الفئات التي بذلت وقدمت ولم تبخل بأي شيء.