فرح “مرزوق” فرحاً كبيراً
بعد إبلاغه بنجاحه في الامتحان النظري الذي تقدم له قبل عدة شهور بعد إعلان وكالة غوث
وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” عن وظائف مختلفة في غزة، فقد لاحت أمامه بارقة
أمل بالانتقال من طابور البطالة والحصول على وظيفة مناسبة تليق به وبالعلم الذي تلقاه
في الجامعات الفلسطينية وأنفق عليه الوقت والجهد والمال الكثير.1
فرحة “مرزوق” بنجاحه في الامتحان
النظري لم تدعه ينتظر حتى النجاح في المقابلة الشخصية، ربما لثقته الكبيرة في نفسه
والعلم الذي يحمله أو الخبرة التي تؤهله للنجاح بلا منازع، وجعلته فرحته يرسم سيناريو
المستقبل والتخطيط لخطواته المقبلة، من قبيل الزواج وتجهيز شقة وشراء سيارة وغيرها
من الأحلام الوردية التي راودته، فالوظيفة التي بانتظاره ضمن وكالة الغوث ذات راتب
مرتفع ومنتظم كما يعلم أبناء المجتمع الفلسطيني، ويتمناها الكثير منهم.
مرت الأيام طويلةً، ولم يتواصل
معه أحد بخصوص المقابلة الشخصية، لكن الأمل استمر لدى “مرزوق” بالحصول على تلك الوظيفة
حتى جاء ذلك اليوم المنشود، فقد استيقظ من نومه على رنين هاتفه وقد كان في الجهة الأخرى
مُتصل لم يعرفه قبل هذه المرة، فرد بلغته المعروفة: السلام عليكم ورحمة الله.
فيرد المتصل: وعليكم السلام
ورحمة الله، هل أنت “مرزوق”؟.
نعم. أنا هو..
نتحدث معك من وكالة الغوث،
ولديك مقابلة لوظيفة نجحت في امتحانها النظري.
لبس “مرزوق” بدلته الأنيقة
وتعطر وأصلح هندامه وأكمل استعداداته لتلك المقابلة، فهو يُدرك بأنها ستكون بمثابة
مفترق طرق مهم في حياته، ومضى مُسرعا إلى أن وصل ودخل إلى المقابلة.
وبدأت المقابلة على عكس توقعات
“مرزوق” الذي حفظ المنهج الشرعي الذي درسه خلال سنوات تعليمه المختلفة عن ظهر قلب،
بل وأضاف عليه الكثير من المعلومات الخارجية والداخلية التي تتعلق بالمنهاج، وقطع حاجز
تفكيره حديث مسئول اللجنة التي جلست أمامه:
لقد تم اختيارك للعمل بطالة
لشهر واحد فقط براتب 1000 شيكل للعمل اثني عشر ساعة يومياً كحارس خلال الليل على أحد
المخيمات الصيفية التي تنظمها وكالة الغوث في قطاع غزة…
كانت الصدمة كبيرة على “مرزوق”
الذي تلعثم لسانه وهو يستمع لهذه الكلمات رغم أنه مفوهٌ للغاية: ولكن هل تعلمون الدرجة
العلمية التي أمتلكها لأقوم بالعمل بطالة “بواب” لأحد المخيمات الصيفية التابعة لكم..
أنا أحمل درجة الماجستير في أصول الدين وبتقدير امتياز.. ربما أخطأتم بالمقابلة بيني
وبين شخص آخر..
لم يمهله كثيراً رئيس لجنة
المقابلة: حتى وإن كنت تمتلك درجة الدكتوراه.. الوظيفة “بواب” لأحد المخيمات الصيفية،
فماذا تقول؟!!.
ترك “مرزوق” المقابلة على
الفور ولم يكترث بنداءات لجنة المقابلة: بالتأكيد أنت موافق على الوظيفة!!. مضى وقد
أظلمت الدنيا في وجهه لهذه الدرجة من الاحتقار التي تمارسها وكالة الغوث بحق أصحاب
الشهادات العُليا.. مضى وهو يُحدث نفسه وأصدقائه: درستُ في الجامعة أربع سنوات وأتبعتها
بعامين ونصف لدراسة الماجستير حتى أعمل بطالة بمهنة “بواب” يا خسارة تعب وشقاء السنين
في مؤسسة تتعامل بهذا الشكل مع حملة الدرجات العُليا..
جريمة جديدة فظيعة في شناعتها،
هي ذبح طفل في سورية بالسكين، وتصوير ذبحه، بينما يبتهج المجرمون بفعلتهم، بل ويصرخون
في أثناء ذبحه: الله أكبر!
لا تبدو هذه الجريمة، مع ما
تشتمل عليه من قسوة ووحشية، معزولةً من السياق العام لأوضاعنا الثقافية والسياسية،
واجتياح وباء العنف والهمجية، وتشرب كثير من النفوس ثقافة العنف والقتل نهجاً في التعامل
مع المخالفين.
السيئ في مشهد الجريمة الهمجية
أيضاً محاولة إلباسها ثوباً دينياً وتأصيلها شرعياً، باستحضار شواهد تاريخية، أو حتى
نصوص دينية مجتزأة، وتوظيفها في إضفاء الشرعية على أفعالٍ يشمئز منها كل صاحب بقية
من ضمير، وتبرير ما لا يمكن تبريره. لكن ما يفعله هؤلاء الهمجيون، حين يزعمون أنهم
يستندون إلى "اجتهاداتٍ شرعيةٍ" في اقتراف أفعالهم الشاذة، ما لا يقنع أحداً،
ويعطي الدين صورةً وحشيةً له، فيتحول إلى نقمةٍ على العالمين، وفتنة للناس، بدل أن
يكون رحمةً للعالمين.