في اليوم السادس والثلاثين للعدوان
على غزة، انطلقت عقارب الساعة معلنةً بدء سريان تهدئة بين الاحتلال الإسرائيلي وأهالي
قطاع غزة بوساطة مصرية، وهي فترة حزم الصحفيون خلالها أمتعتهم وحاولوا تفقد بيوتهم
وأهلهم، تماماً كما فعل أهالي المنازل المدمرة، حيث توجهوا لبيوتهم أملاً في استخراج
أيًّا من مقتنيات عمرهم التي تركوها تحت وابل استهداف بيوتهم دون سابق إنذار خلال أيام
العدوان الماضية.
ومع نهاية الأيام الخمسة للتهدئة
حتى جاء الإعلان بتجديد التهدئة لخمسة أيام أخرى، وهو تمديد أدخل المواطن الفلسطيني
في دوامة القلق والمماطلة من قبل الاحتلال الإسرائيلي وأطراف عربية أخرى لتطبيق اتفاق
وقف دائم للعدوان. أما أنا فقد تأكدتُ بيقين كامل أن مراوغة الاحتلال تحمل خفايا خطيرة
من ورائها، بل إني كنتُ متأكداً وهذا بحكم الخبرات العملية في حروب الاحتلال بحق الفلسطينيين،
أنه لا يمكن أن يوقف العدوان بدون الوصول إلى صيد ثمين في صفوف الفلسطينيين يقوم بتسويق
انتصاره من خلاله على جمهوره الداخلي.1
وقبيل انتهاء فترة التهدئة التي تم
تمديدها بساعات، بدأت طائرات ومدفعية الاحتلال الإسرائيلي عمليات استهداف أراضٍ زراعية
للمواطنين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، وأخذت عمليات الاستهداف شكل التدحرج والتصعيد
بشكل متوالي.
وبعد دخول ليل الأربعاء العشرون من
أغسطس عام 2014م، أطلقت طائرات الاحتلال العديد من الصواريخ كبيرة الحجم في الأجزاء
الغربية من مدينة غزة، وهي صواريخ أضاء لهيبها سماء المدينة، حينها أدركنا بأن “إسرائيل”
ما كان لها أن تلفظ يديها من اتفاق التهدئة لولا أنها وقعت على كنز ثمين.
مضت دقائق معدودة، وقد وصل لي حيث
أمكث أحد المصادر الدقيقة التي أتعامل معها في مثل هذه الظروف، وأبلغني بأن المستهدف
هو القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، حيث كان يمكث في منزل لعائلة الدلو غرب
غزة، وأخبرني بأن هناك شهداء بأعداد كبيرة في المكان، ولا يزال مصير “الضيف” مجهولاً.
حينما تلقيت هذا الخبر حجبته، وهاتفت
إدارة المؤسسة التي أعمل بها وأبلغتها بالشخصية المستهدفة، فمثل هذا الخبر لا يمكن
أن نخرج به على الفور لنتائجه المختلفة على المقاومة الفلسطينية وأبناء الشعب الفلسطيني،
لكني خرجت بعدد من الرسائل على الهواء مباشرة وتحدثت عن استهداف منزل لعائلة الدلو
ووجود شهداء في المكان وتدمير العديد من المنازل.
وبعد عملية الاستهداف شاع وانتشر
الخبر باستهداف القائد العام لكتائب القسام، ومعه انطلقت العشرات من الصواريخ صوب الكيان
الإسرائيلي، في ليلة كانت ساخنة للغاية، أما أنا في مستشفى الشفاء بغزة فقد رأيت زوجة
وأبناء “الضيف” بعد ارتقائهم شهداء في هذه الغارة الغاشمة، بينما هو فقد غابت المعلومات
عن مصيره.
بدأت طائرات الاحتلال بعد هذا الاستهداف
سلسلة عمليات اغتيالات مركزة في قطاع غزة في أكثر من مكان، كان من بينها نقاط مختلفة
في “مقبرة الشيخ رضوان” المجاورة لمنزل عائلة “الدلو” المستهدفة، حيث تم استهدافها
أكثر من مرة، وقد تخلل اليوم ارتقاء أكثر من ثلاثين شهيداً. لقد كان واضحاً من عمليات
الاستهداف الإسرائيلي لمنزل عائلة “الدلو” بهدف منع خروج أي شخص على قيد الحياة من
المنطقة.
أما وسائل الإعلام العبرية، فأكدت
أنه تم استهداف منزل عائلة الدلو في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة بعدد من الصواريخ بينها
ثلاثة من تلك المخترقة للحصون وهي من طراز GBU-28، وتحدثت بأن المستهدف هو محمد الضيف قائد كتائب القسام.
لم ننتظر طويلاً حتى أطلَّ “أبو عبيدة”
الناطق باسم كتائب القسام عبر شاشات التلفزة، وخرج بتصريح حذر فيه شركات الطيران الإسرائيلية
من استخدام مطار بن غوريون، كما حذر المستوطنين في محيط غزة من استهداف أماكن تواجدهم،
وتحدى قيادة الاحتلال أن تُعلن عن اسم الشخصية التي استهدفتها، في تلميح واضح بأن
“الضيف” على قيد الحياة.
وخلال اليومين التاليين شنت طائرات
الاحتلال الإسرائيلي العديد من الغارات غالبها قامت به الطائرات الحربية بدون طيار،
فاستهدفت مقبرة الشيخ رضوان أكثر من مرة ليرتقي أربعة من المواطنين كانوا يقومون بدفن
أحد شهداء عائلتهم، كما استهدفت سيارات ومنازل متفرقة من قطاع غزة.
وبعد أن أفلت الصيد الثمين في استهداف
منزل عائلة الدلو، بحثت مخابرات الاحتلال عن صيد آخر تمثل في استهداف لمحافظة رفح شابهت
الصواريخ المستخدمة فيه، تلك التي تم استخدامها بحق “محمد الضيف”، لتكون الحصيلة من
وراء هذه الجريمة استشهاد ثلاثة من أبرز قادة كتائب القسام وهم: رائد العطار ومحمد
أبو شمالة ومحمد برهوم.
تلقيت الخبر بصدمة بالغة وشديدة وبدأت
بصحبة إدارة إذاعة صوت الأقصى ندرس كيفية تمرير الخبر عبر أثير الإذاعة حيث كانت الساعة
الثالثة فجراً حينما تلقينا الخبر، غير أننا كتمنا عليه حتى ساعات صباح ذلك اليوم.
أما أنا فوجدت متنفساً عبر صفحتي على الفيس بوك لتوضيح ما جرى، وكتبت منشوراً قلت فيه:
“صحيح أن قوات العدو الإسرائيلي وصلت لصيدٍ ثمينٍ جداً حينما قتلت قادة المقاومة
الثلاثة في محافظة رفح العطار وأبو شمالة وبرهوم وقد بكينا كثيرا بمجرد حجم الصواريخ
التي سقطت، حيث أدركنا من لحظتها أن المستهدف أمرا كبيرا. حبسنا الأنفاس قبل أن نترك
الحرية لعيوننا لتفيض أمواجا متلاطمة من دموعها”.
ولكن وفي هذه الظروف، يجب علينا ضبط
الأعصاب جيداً والحكمة في التعامل وهذا ما لاحظناه من قبل قادة المقاومة الفلسطينية،
ويقيننا فإن قتل قائد لن يوقف مسيرة مقاومتنا؛ لأن القائد يخلفه ألف قائد. وحتما فإن
”القسام” ورجال المقاومة لن ينتظروا حتى تشرق شمس الصباح لاختيار قادة جدد يشغلوا
تلك المواضع بدلاً من الثلاثة السابقين للراحة بإذن الله. وستذكرون ما أقول لكم حينما
ترون استمراراً لتطبيق بنود خطة القسام خلال الساعات المقبلة بإذن الله تعالى.