منذ أن تم
توقيع اتفاقية “أوسلو” بين منظمة التحرير الفلسطينية والعدو الصهيوني، بدأت السلطة
الفلسطينية التي نشأت آنذاك بتأسيس وإنشاء مؤسساتها المختلفة، وكان بينها تلفزيون
وفضائية فلسطين، كي تكون أدوات لغرس جذور الاتفاق في عقلية الفلسطينيين التي
رفضته.1
وعبر الشاشة
الفلسطينية “فضائية فلسطين” انتشرت الدراما كأحد وسائل مخاطبة العقول الفلسطينية،
وكانت بحق أداة لتطويع الوجدان الفلسطيني ودفعه للقناعة بضرورة التعايش مع محتل
الأرض وقاتل الآباء والأجداد، فلم تقدم تلك الشاشة ما ينبغي أن يكون عليه المشهد
من مقاومة الاحتلال، واكتفت بتقديم الدراما الفلسطينية واختصرتها في مسلسلات إما
تناقش حياة مجموعات من المتعاطين والحشاشين، أو أنها قدمت أبطالها بأنهم مجموعة من
العاهات والمجانين، وهكذا جرى تسويق الحالة الفلسطينية القابعة تحت نير الاحتلال
الإسرائيلي، لتكون النتيجة بأن ينفض الفلسطيني عن مسلسلات بلاده التي وجدها لا
تلامس عقله، وبحث عن غيرها فتاه بين مسلسلات ودراما قدمتها فضائيات عربية لا يناسب
محتواها ومضمونها طبيعة المواطن الفلسطيني وأخلاقه وتقاليده.
قبل عدة أعوام
قررت فضائية الأقصى أن تصنع حيزاً عبر شاشتها من خلال الدراما، رغم إدراكها بأن
المهمة صعبة والإمكانيات لا تكاد تكون موجودة، والمشككون كُثر، غير أنها مضت
متوكلة على الله تبارك وتعالى ومعتمدة على جهود الخيرين والمخلصين، فكانت النتيجة
أن بارك الله تبارك وتعالى الجهد والعمل.
عمل تلو الآخر
تلقاه الجمهور الفلسطيني، فمن فيلم إلى مسلسل وهكذا. صحيح أن الأعمال انتابها في
البدايات الكثير من الاشكاليات والخلل في العمل، وهو أمر لا يخلو منه جهد بشري بكل
تأكيد، وبخاصة إن كان انطلق من الصفر، غير أن الانتاج بات واضحاً أنه يتقدم
باستمرار، ويسحب الجمهور الفلسطيني إلى الدراما التي تجسد حالته في مواجهة
الاحتلال الإسرائيلي.
تابعتُ باهتمام
ما عرضته فضائية الأقصى عبر شاشتها خلال شهر رمضان المبارك للجزء الثاني من مسلسل
الفدائي، وحقاً فقد أجبرني أطفالي الصغار على متابعة المسلسل بكافة لقطاته
ومشاهده، ولم أتخيل نفسي بأن دموعي ستنزل رغماً عني وأنا أتابع مسلسل، لكني حمدتُ
الله بأن عيوني فاضت بتلك الدموع حينما تأثرت بمشاهد معاناة الأسرى في سجون
الاحتلال الإسرائيلي، ولقطات تجسد إصرار عائلات فلسطينية على تقديم الغالي والنفيس
لأجل الوطن والقضية التي تسمو على كل ثمن.
صحيحٌ أن
المسلسل انتابه العديد من الأخطاء في عمليات الإخراج والمونتاج، لكنها أخطاء لا
تقدح في العمل الذي يجب أن نرفع أيدينا لكل من شارك فيه تمثيلا وتأليفا وانتاجاً
وتمويلاً بتحية عسكرية ملؤها الحب والفخار. وأنا على يقين بأن الأعمال المقبلة
سيتم من خلالها تجاوز تلك الأخطاء والنهوض بالدراما الفلسطينية إلى مراتب ومراكز
لم نكن نتخيل بأننا كفلسطينيين يمكن أن نصل إليها.
إن مسلسل
الفدائي قدم العديد من القيم للمرأة والرجل والطفل والشيخ الذي اشتعل رأسه شيباً،
بل وقدم الكثير من النماذج التي يمكن الاحتذاء بها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي،
فكل مواطن فلسطيني كبُر سنه أو صغر عليه مسئولية كبيرة تجاه وطننا وقضيتنا ولا يجب
أن نرضخ أو نستكين كنتيجة لكثرة المثبطين والخونة من حولنا، ولنكن موقنين بحتمية
النصر والتمكين، فصاحب الحق منتصر طال الزمان أم قصر.
أجزم بأن مسلسل
الفدائي قد أغاظ الخونة في ساحتنا الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي على حدٍ سواء،
ولذلك تعرضت فضائية الأقصى لعمليات تشويش كبيرة عليها وبخاصة خلال فترات بث
المسلسل، بل وأزعم بأن المسلسل شكل دافعا للشباب الفلسطيني الثائر لتنفيذ العديد
من العمليات التي تابعنا أخبارها خلال الشهر الفضيل، بل إني على يقين بأن حالة من
التغيير على العمل المقاوم سنشهد تفاصيلها بإذن الله تعالى خلال الفترة المقبلة
وبخاصة في ساحة الضفة سيكون دافعها مسلسل الفدائي.
إن حجم
المتابعة لهذا المسلسل تدفعنا لضرورة إعطاء أهمية أكبر بمرات كثيرة عما تم منحه
لهذه المسلسل الرائد لأعمال درامية مقبلة، ولتكن تلك المسلسلات والأفلام عبر
فضائية الأقصى طوال العام وليس خلال أيام
شهر رمضان المبارك، حينها سنجد أثراً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي أنفقنا
في أوقات سابقة مالاً وجهداً في مواطن غير الدراما لإحداثه ولم يحدث.
لا ضير أن يتم تخصيص أموالاً أكبر لإنتاج مسلسلات فلسطينية على شاكلة
الفدائي توصل رسائل للجمهور الفلسطيني أكثر كثيراً من فعاليات ولجان أنفقنا عليها
الآلاف خلال سنوات طويلة، لكنها لم تحقق جزءا يسيراً مما حقه الفدائي. لا ضير من
تصحيح المسار وتعزيز التوجه نحو الدراما الهادفة وإن كان هذا التصحيح سيكون على
حساب إغلاق مؤسسات لم تؤدِ الرسالة المطلوبة منها وتحويل مصروفاتها لصالح انتاج
أعمال درامية تعالج الواقع الفلسطيني بأسلوب فني راقي.
القـــاتـــل
الــوقـــــح
الزعاترة
لا يبدي توني
بلير أي شكل من أشكال الندم على ما فعل بالعراق. مجرد أسف بسيط على أن المعلومات
الاستخبارية عن أسلحة الدمار الشامل في العراق لم تكن دقيقة. كذلك حال جورج بوش
الابن، وكلاهما يرددان بأن “العالم أفضل من دون صدام حسين”!!
مئات آلاف
القتلى، وملايين المهجرين، وموجة عنف دموي اجتاحت المنطقة، بل العالم. هدأت مع
ربيع العرب، ثم جددتها إيران بدعم طائفية المالكي ودموية بشار وجنون الحوثي. كل
ذلك بسبب حرب بوش وبلير (منحت العراق تاليا لإيران)، والتي لم ينس العقلاء أنها
كانت عنوانا لمشروع المحافظين الجديد لإعادة تشكيل المنطقة على مقاس المشروع
الصهيوني، وبالطبع بعد فشل مشروع أوسلو في تكريس “الشرق الأوسط الجديد”، كما نظّر
له بيريز.
بلير يضيف إلى
الإجرام قدرا مثيرا من الوقاحة، وهو يتحرك في العالم طولا وعرضا. يبيع ويشتري
ويسمسر، وكل ذلك في ظل حماية اللوبي الصهيوني الذي يسيطر على مفاصل كثيرة في دول
كبرى.
أينما حلّت
مصيبة بهذه الأمة، ستجد لتوني بلير دورا فيها، بما في ذلك الثورة المضادة التي
أجهضت ربيع العرب، فضلا عن دوره في الرباعية الدولية الخاصة بفلسطين سابقا، وفي كل
ما يتعلق بتغطية الاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين.
نتحدث عن بلير،
بمناسبة ما يعرف بتقرير “تشيلكوت” الذي لم يسجل إدانة صريحة للمجرم، وبالطبع لأن
المشاركة في حرب العراق لم تكن خارجة عن سياق السياسة البريطانية التقليدية في
التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والتي لم تتغير بعد بلير، وإذا تذكّر
البعض رفض البرلمان البريطاني المشاركة في الحرب على نظام بشار، فلأن أمريكا لم
تكن تنوي شن الحرب أصلا، وما كان مطلوبا هو نزع السلاح الكيماوي لحساب الكيان
الصهيوني.
التحقيق من
أوله لآخره رغم تفاصيل لا تحصى لم يتمخض عن شيء، وهو لم يتقرر أصلا إلا لأن قرار
الحرب كان أكثر قرار واجه رفضا شعبيا في تاريخ بريطانيا كله، والدولة البريطانية
العميقة لم تكن بعيدة عن توجه بلير، ولو كانت ترفضه لما كان بوسعه الذهاب إلى
الحرب، لكن الجزء المثير في القصة يتمثل في مساهمة بلير في إقناع بوش بالمضي قدما
في الحرب، مع أن جورج تينيت، المدير الأسبق للسي آي إيه، هو الذي أخبرنا أن بوش
دخل البيت الأبيض وقرار الحرب على العراق “في جيبه”.
يتحدث بلير عن
صدام كطاغية، لكنه يتجاهل أن في سوريا اليوم طاغية أكبر، وقاتل أكثر بشاعة، لكنه
لا يتحرك ضده، بل يتحرك في اتجاه الإبقاء عليه، وراهنا في اتجاه إطالة أمد الحرب
من أجل استنزاف الجميع لحساب الكيان الصهيوني، والنتيجة أننا إزاء كائن لا همَّ له
إلا مصالحه الشخصية، وقبل ذلك وبعده خدمة مصالح الصهاينة الذين يمنحونه الأدوار
والحماية من أية ملاحقة؛ هو الذي يجمع الأموال بنهم غريب، وبكل الوسائل المشروعة
وغير المشروعة.
لعنة العنف
التي أطلقها بلير في العراق ومن العراق تصيب العالم أجمع، وإن كان نصيبنا الأكبر.
صحيح أن الكيان الصهيوني يربح من هذه الحرب، لكن ذلك قد يكون مؤقتا أيضا، فما جرى
ستكون له تداعيات تصيب ذلك الكيان الهش؛ وإن على المدى المتوسط، ففي هذه المنطقة
شعوب تعودت الموت والتضحيات، وهي لن تستكين قبل أن تحصل على حقوقها، ومن ضمنها، بل
الأهم بينها؛ حقها في فلسطين.