بانتظار المدخن «22/26»

نشر 30 يونيو 2016 | 13:06

خلال هذه الفترة بات في حكم المؤكد أن الوفد الفلسطيني المفاوض في ‏القاهرة لن يتمكن من انتزاع مطالب الشعب الفلسطيني في المرحلة الأولى من مفاوضاته، وعليه فنحن بانتظار مغادرة الوفد وإفساح المجال لأجنحة المقاومة العسكرية لتقول كلمتها، وعليه وعلى عكس التوقع فلن نشاهد مؤتمرا صحفيا للناطق باسم المقاومة الفلسطينية كما اصطلح الشعب الفلسطيني على تسميته “أبو عبيدة” على الأقل في بداية الجولة المقبلة، وإنما سيكون بانتظار العدو الإسرائيلي هجمات قوية جدا من المقاومة لم يتوقع بعضها في الغالب وستدفعه لتغيير حساباته مرة أخرى، والمستفيد هو المواطن الفلسطيني بإذن الله تعالى..1

 

هذا فحوى ما قمت بنشره عبر حسابي على الفيس بوك في العاشر من أغسطس عام 2014م، في محاولة لإدخال بعض الاطمئنان على أفئدة المواطنين الفلسطينيين.

 

ومع استمرار الضغوط التي بات واضحا أن الوفد المفاوض يتعرض لها في العاصمة المصرية القاهرة، وبخاصة من قبل أطراف عربية مختلفة، تعاملت مع الوفد الفلسطيني على أنه عدو وليس كونه ابن العروبة، نشرتُ منشوراً آخر وجد تفاعلاً كبيراً ومنقطع النظير من قبل المواطنين، وكان مما خطه قلمي خلال ساعات المساء من ذلك اليوم قولي:

 

الفاضحة”.. اسم أقترح إطلاقه على العدوان الذي يجري هذه الأيام بحق مواطني قطاع ‏غزة وممتلكاتهم.. كيف لا.. وقد أظهر هذا العدوان رغم ألمه الكبير على الفلسطينيين من يقف إلى جانبهم بحق، كما أظهر من يسعى لكسر شوكتهم الموجهة للاحتلال الإسرائيلي.

 

لقد أظهرت عواصم عربية صنعها الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة وصدعت رؤوسنا وهي تتغنى بما قدمته للقضية الفلسطينية بينما الواقع يقول بأنها تتفاوض معنا وتضغط علينا لصالح العدو اليهودي المحتل لترابنا الطاهر. تماماً، كما أظهرت هذه الحرب الداعية والمثقف المنتمي لشعبه من ذاك الذي ينمو جسمه وسمعته من دماء أبناء الشعب الفلسطيني. وأظهرت كذلك شرفاء وأبطال لم نكن نتخيل أنهم كذلك، لكن المحنة والأزمة أظهرت لنا أناسا يستحقون كل التقدير والاحترام.. شكرا للحرب التي فضحت الخونة والعملاء والمتآمرين..

 

كنتُ أجد في الساعات الطويلة التي استغرقتها حوارات القاهرة بعض الأوقات التي أخط من خلالها بعض المنشورات عبر صفحاتي المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان هدفي من ذلك محاولة تهدئة المواطن الفلسطيني وإمداده ببعض المعلومات عما يجري في الغرف المظلمة، وإن كُنا كصحفيين نجد صعوبة كبيرةً في الوصول إلى تلك المعلومات، ومن جانب آخر، فقد هدفتُ من وراء منشوراتي إلى محاولة جس نبض الشارع الفلسطيني تجاه أي قضية قد تطفو على السطح في فترة من الفترات.

 

وبعد أن انقضت ساعات الليلة بكل ما فيها، وأذن مؤذن الفجر معلناً انتهاء ليلة أخرى من ليالي العدوان وبزوغ شمس نهار جديد، توجهت إلى إحدى دورات المياه في مستشفى الشفاء لقضاء الحاجة والوضوء لصلاة الفجر. وصلتُ إلى دورة المياه فكان أمامها طابور طويل، وكان يقف خلفي رجل كبير في السن وبدا عليه التعب والإرهاق، فتأخرت وسمحت له بأن يسبقني، وهي خطوةٌ استقبلها بأن رفع يديه إلى السماء وأخذ يدعو لي بالحفظ والرعاية.

 

ولم تفلح الخطوة التي قمتُ بها بتعجيل دخول ذلك الرجل لدورة المياه، وبعد أن استفزه الأمر للفترة التي بقي فيها شخص داخل تلك الدورة، طرق ذلك الرجل على الباب، لكننا طالبناه بالانتظار فربما الموجود داخل الحمام مأزوم نتيجة الحالة النفسية التي يعيشها المواطنون بفعل العدوان الإسرائيلي عليهم.

 

وبعد الانتظار الطويل يفتح الباب ليتفاجأ المنتظرين قضاء حاجتهم أن ذلك الشخص كان يدخن أكثر من سيجارة في داخل دورة المياه. استشاط ذلك الرجل غضبا وترك دوره لقضاء حاجته ولحق بالشاب ورفع صوته عليه قائلا: “ما دامك خايف من أبوك ليش بدخن؟ وبعدين قلي كيف طعم السيجارة المخلوط بطعم الـ—راء؟ أم أنَّ هذا نوع جديد من المعسل..؟”..

 

طبعا كل الأمور تحدث أمامي في مجمع الشفاء وأنا من داخلي مسرور جداً وإن كنت أشفقت على ذلك الشاب، لكني في ذات الوقت تبادرت نتيجة لنفسي مفادها أن السيجارة منافية للفطرة الإنسانية، فالإنسان العاقل لا تقبل نفسه تناول طعام أو شراب داخل دورة المياه، بينما لا مشكلة للمدخن من تناول سيجارته داخل أقذر مكان!!.

 

سؤالي بهدوء لكل أخ مدخن: ألهذه الدرجة يصل بك الذل والهوان أمام سيجارة لعينة؟ أما آن الأوان لتثبت رجولتك أمام هذه الآفة اللعينة وتضعها تحت حذائك بدلا من وضعها بين شفتيك؟.

 

ومع الإعلان عن تهدئة جديدة تمتد لـ 72 ساعة قمتُ بكتابة مقال صحفي حول الأحداث الدائرة في قطاع غزة، وقد انقطعتُ عن الكتابة التي اعتدتُ للقيام بها بشكل دوري خلال فترة الحرب.

 

لقد كان المقال الذي كتبته خلال فترة التهدئة تلك بعنوان “غزة في مواجهة الأحزاب الجُدد”، ومما قلته فيه: “صحيحٌ أن غزة وأهلها تركتهم الأنظمة العربية والإسلامية الخائنة والعميلة والمتواطئة مع الاحتلال الصهيوني إلا من رحم الله ومنهم “تركيا وقطر”، تركتهم في مواجهة وحيدة مع أعتى وأجرم قوة في الشرق الأوسط، بل ومولت العملية العسكرية كاملة من عوائد النفط العربي في سبيل القضاء على ما أسماه أحد زعمائهم القعيد “القضاء على إرهاب غزة”، لكن غاب عن بال هؤلاء أن الله تبارك وتعالى وقف مع أهل غزة وثبتهم ونصرهم رغم كثرة الأحزاب، وهو العادل الذي حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين الناس، وهل من ظلم أعظم من قتل المؤمنين الأبرياء داخل بيوتهم؟”..

               

لقد أردت من وراء كتابة هذا المقال التعريج ولو بشكل بسيط على أن العدوان الذي تشنه “إسرائيل” على الأبرياء في قطاع غزة ما كان له أن يستمر لكل هذه الفترة الطويلة، لولا تدخل العديد من الأنظمة العربية وتقديم الدعم اللازم للعدو الأول للعرب جميعا والمنغمس في خاصرتهم “إسرائيل”، لقد كان العديد من المواطنين خلال حديثهم معي، يتمنون على الأنظمة العربية ألا تتدخل لنصرتنا، ولكن أملهم أن تتوقف عن التآمر علينا وتقف في خندق الاحتلال الإسرائيلي