كانت
الساعات الأخيرة من يوم الجمعة السادس من أغسطس عام 2014م، مختلفة فقد مكثتُ في
بيتي تلك الليلة، لكني لم أعرف النوم وأنا أتابع أخبار الوفد الفلسطيني في
القاهرة، حيث لم يتبقَ إلا ساعات وتنتهي تهدئة الـ 72 ساعة، مضى الوقت سريعاً،
وبعد صلاة الفجر تأكدت بأننا مقبلون على أيام كتلك التي كانت في الماضي، وربما أشد
منها.1
حزمت
أمتعتي وبعض ملابسي وخرجت من بيتي قبل حلول الساعة الثامنة صباحاً وتوجهت إلى مكان
عملي، وما هو إلا وقت قصير حتى اندلع العدوان الإسرائيلي على غزة مرة أخرى، وأول
رسالةٍ إعلامية خرجت بها في ذلك اليوم كانت بعد وصول طفل شهيد بعد استهداف مسجد
النور المحمدي في حي الشيخ رضوان، وحكاية هذا الطفل أنه أصيب في رأسه إصابة
مباشرة، لكن الأكثر ألماً في الأمر أن الطفل وقبل استشهاده كان لا يزال يعاني من
إصابة سابقة خلال هذه الحرب أدت لكسر في يده اليمنى.
خلال
ساعات النهار جلستُ في مكان وجدت فيه اتصالاً بشبكة الإنترنت وقمت بالرد على
العديد من رسائل المتابعين لتغطيتي الإعلامية خلال الحرب، وقد أشادوا بتلك التغطية
وأحدهم أرسل رسالة يقول فيها: “عن جد أخي أيمن ربنا يجزيك كل خير ويعطيك العافية
على ما تقدمه للإسلام والمسلمين”، فقلت له: “لا تنسونا من دعواتكم المخلصة فهي
مصابيح تنير لنا طريق العمل ونقل الحقيقة”، لكنه رد رداً اقشعر منه بدني حيث قال:
“أقسم بالله أننا لا ننساك من دعواتنا أنت وزملائك على ما تقدموه لنا فجزاكم الله
عنا كل خير”.. لقد كان لهذه الرسالة وقعٌ شديد على قلبي جعلتني أشعر بعظم
المسئولية الملقاة على كاهل الصحفي والإعلامي الفلسطيني في نقل الصورة الواقعية
التي تجري لأبناء وطنه وشعبه.
جاءت
الأخبار خلال ساعات النهار بممارسة الجانب المصري ضغوطا كبيرة على الوفد الفلسطيني
المفاوض ومماطلة الاحتلال الإسرائيلي في الرد على مطالب الوفد، لكن وعلى الجانب
الآخر فقد تم تمديد تلك التهدئة فيما بعد 24 ساعة أخرى، وهو تمديد انعكس بشيء من
الإحباط والغضب الشديد من مختلف الشرائح الفلسطينية التي كانت ترغب بالوقف السريع
للعدوان الذي طال أمده.
وخلال
تمديد التهدئة تناقلت العديد من وسائل الإعلام العربية أخباراً تتحدث عن قيام
زعمائها ومسئوليها بالتبرع بالدم لصالح أهالي قطاع غزة، وهو مشهد استفزني للغاية،
فغزة ليست بحاجة للتبرع بالدم بقدر ما هي بحاجة لتحرك من أولئك الزعماء لوقف
العدوان عنها. وقمت بكتابة منشور على صفحتي في موقع “الفيس بوك” وجدتُ تفاعلاً
كبيراً من قبل الجمهور معه، وأذكر أنني قلتُ في ذلك المنشور:” على سيرة التبرع
بالدم لصالح غزة الذي يقوم به بعض حاكمي العرب أو بعض الرموز المدافعة والمؤيدة
للكيان الصهيوني أمام عدسات التلفزة.. نقول لأولئك وغيرهم: دماؤكم نجسة مخلوطة
بالعمالة والخيانة والخنوع والاستسلام لن نستقبلها أو نلوث دماء ثورانا ومقاومينا
بها، بل سنقوم بإعادتها لكم لتعيدوا حقنها لدى الكلاب المنتشرة في قصوركم والتي
تتغذى من مال العرب..”.
حاولتُ خلال فترات التهدئة التي يتم إبرامها أو
تمديدها نشر العديد من الموضوعات على صفحتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه
المنشورات إما لقصص أو أحداث تجسد المعاناة الفلسطينية أو مشاكل نواجهها وضرورة
التغلب عليها لتحقيق المرجو من التغطية الإعلامية، وفي السادس من أغسطس كتبتُ
منشوراً أنتقد خلاله قيام العديد من الأشخاص بتوصيف أنهم صحفيين، رغم أنهم لا
يقومون بأي عمل صحفي أو إعلامي ينقل المعاناة الفلسطينية، وإنما إظهار البعض الفخر
كونه صحفي بدون عمل ملموس على الأرض، وصدقاً لو أن كل شخص وسم نفسه بـ” صحفي” أنجز
مادة واحدة في اليوم حول ما يجري في غزة لكنا أغرقنا العالم بقصص البطولة
والمعاناة، لكن الواقع يقول غير ذلك.
لقد
كتبتُ منشوراً في التاسع من أغسطس عام 2014م ونشرته وقلتُ فيه:
فوائد
صحفية كثيرة جنيتها من خلال تغطيتي المتواصلة للعدوان على غزة، فقد أدركت الكثير
من الحقائق “لم أتخيل أن تكون بهذه النسبة”، وذلك كسبب من أسباب غياب بيت يجمع الصحفيين
تحت سقف بيت واحد، ومن هذه الحقائق:
– ليس شرطا أن كل من يلبس درع مكتوب عليه “press” هو بالضرورة صحفي.
– ليس شرطا أن كل من تخرج بشهادة صحافة وإعلام
يكون صحفي.
– ليس شرطا أن كل من يحمل كاميرا تصوير هو
بالضرورة صحفي.
– ليس شرطا أنَّ كل من يعمل في وسيلة إعلامية
يصلح لأن يكون صحفي.
– ليس بالضرورة أنَّ كل من تواجد في مستشفى
الشفاء وسمى نفسه صحفياً قام بنقل خبراً واحداً لمؤسسته الإعلامية وقدم فائدة
لمجتمعه.
– ليس شرطاً أن كل من أنشأ صفحات له على مواقع
التواصل الاجتماعي وسبق اسمه فيها بمصطلح “الصحفي فلان” فهو صحفي.
– ليس شرطاً أن من حصل على شهادات كثيرة في
الصحافة غالبيتها بـ” الشراء” حصل عليها أن يتحول لخبير إعلامي ومدرب تنمية بشرية
مرة وتنمية إعلامية وتخريج مدربين إعلاميين تارة أخرى.
–
ليس شرطا أن يتم حصر الصحفي في ذلك الشخص الحاصل على بطاقة نقابة الصحفيين
الفلسطينيين، فنقابة مديرها ضابط أمن أعتقد أن شروط الحصول على بطاقتها معروف
الطريق إليه.