مكرٌ وإصرار «20/26»

نشر 16 يونيو 2016 | 11:36

مع إصرار المواطن الفلسطيني على عدم رفع راية بيضاء للاحتلال الإسرائيلي، لجأت قوات الاحتلال إلى استخدام أسلوب جديد من المكر والدهاء تمثل في التصعيد بحق المدنيين وبيوتهم وممتلكاتهم وبالتوازي مع ذلك تصعيد وتيرة الحديث عن تهدئة أو هدنة كان غالباً ما يربطها بمصطلح “الإنسانية”، وفي ليلة الجمعة الأول من أغسطس صعدت قوات الاحتلال من عمليات القصف والاستهداف لتدمر من خلالها إلى جانب بيوت المواطنين العديد من المساجد الكبيرة في غزة وتستهدف أحد أهم مباني الجامعة الإسلامية في غزة.

 

وفي صباح ذلك اليوم بدأ سريان هدنة تستمر 72 ساعة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي ورجال المقاومة الفلسطينية مع استمرار بقاء القوات في أماكنها أثناء هذه الهدنة.1

 

بدأت عملية ضغط كبيرة على حركة “حماس” التي كانت تشارك وفداً للمفاوضات في القاهرة، فنقلت هذا الأمر بشكل غير مباشر للمواطنين في قطاع غزة، فما كان من الآلاف منهم إلا ترك بيوتهم المهدمة وجرحاهم في المستشفيات والخروج بمسيرة كبيرة في غزة لمطالبة الوفد المفاوض ملتزما بمطالب الشعب بالحرية والحياة الكريمة وكسر الحصار.

 

وفي المسيرة خشيتُ من محاورة المواطنين على الهواء مباشرة لمعرفة آرائهم فيما يجري خشية قيام أحدهم بتوجيه كلمات مخالفة للسياسة العامة التي نعمل بها، لكن المفاجأة كانت بعد إجراء العديد من المقابلات، فقد طالب العديد من المشاركين في المسيرة المقاومة الفلسطينية بضرورة الاستمرار في طريقها وعدم الرضوخ لضغوط الاحتلال، بل إني أذكر بأن والدة اثنين من الشهداء تحدثت معي وقالت بأنها جاهزة لأن تقدم أبنائها شهداء في صفوف المقاومة شرط أن تستمر المقاومة في نهجها.

 

لم تمضِ ساعات معدودة على تلك الهدنة المفترضة حتى وجدنا أنفسنا مضطرين للعودة إلى العمل مرة أخرى على وقع استهداف مكثف وعشوائي على محافظة رفح جنوب قطاع غزة، حيث ادعى الاحتلال أن كتائب القسام أسرت أحد جنوده خلال التهدئة الأمر الذي نفته الأخير. وقد كان لعمليات القصف التي قامت بها قوات الاحتلال أن قتلت ما يزيد عن ثمانين مواطناً غالبيتهم من المدنيين، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 500 آخرين، وإخلاء مستشفى أبو يوسف النجار في رفح لكثرة القصف الذي تعرض له.

 

وخلال اليومين التاليين تركزت المتابعة الإعلامية على أخبار المباحثات التي تجري القاهرة بين الوفد الفلسطيني والوفد المصري، حتى جاء خبر إعلان جديد من الاحتلال الإسرائيلي عن تهدئة وصفها بـ” الإنسانية” تبدأ تمام الساعة العاشرة من يوم الاثنين الرابع من أغسطس 2014م.

 

بعد الإعلان عن هذه التهدئة، حزمت أمتعتي للتوجه إلى بيتي للاغتسال والاطمئنان على أهل بيتي، وقبل خروجي من مستشفى الشفاء حيث أتواجد، وبينما كانت عقارب الساعة تُشير إلى العاشرة وخمسة عشر دقيقة تم استهداف منزل لعائلة البكري في مخيم الشاطئ بصاروخين من طائرات الإف 16 الإسرائيلية، حينها ألغيت زيارتي للبيت وقمت بالتغطية الميدانية للجريمة.

 

ومع تكرار نقض الاحتلال للتهدئة أكثر من مرة تراجعت في هذا اليوم عن التوجه لمنزلي، وتوجهت للاغتسال في شقة بديلة لمؤسستنا، وفي تلك اللحظات وجدت ماءً ساخنا لم يلمس جسمي منذ ثلاثين يوماً، وقد أخبرني زميل لي كان في المكان أن الكهرباء كانت جاءتهم في تلك المنطقة لساعتين من الزمن فقاموا بتسخين الماء.

بعد وقت خصصته للنظافة واصلتُ متابعة ما يجري في العاصمة المصرية القاهرة من مباحثات ومفاوضات مع الفصائل الفلسطينية، وبدأت تصل المعلومات عن ضغوط تقوم بها الشقيقة مصر على فصائل المقاومة الفلسطينية للقبول بشروطها فيما يتعلق بالتهدئة، وهو موقف مصري انعكس على نفسيتنا لتعامل مصر مع شعبنا بهذه الصورة.

 

وخلال الأيام التالية سيطر الهدوء على مختلف أرجاء قطاع غزة بعد تثبيت التهدئة، وهي فترة قمتُ باستغلالها في إنجاز العديد من الأمور، كانت بدايتها تفقد المناطق التي أصابها الدمار، فقد قمنا في المؤسسة التي نعمل بها باستنفار كل المراسلين والزملاء العاملين في المؤسسة بالتوجه إلى مناطق الدمار في كافة أرجاء قطاع غزة لرسم صورة مقربة عنها.

 

أما أنا فقد استقليتُ دراجة نارية بصحبة أحد المواطنين هذه المرة، وتوجهنا لتفقد والخروج برسائل إعلامية من العديد من مناطق الاستهداف في أحياء شرق محافظة غزة، وقد وصلنا إلى إحدى المباني التي تم استهدافها بجوار السلك الفاصل شرق حي الزيتون، حيث أكد مواطنو تلك المنطقة أنه تم استهدافهم بالبراميل المتفجرة التي لم تترك حتى حجارة منازلهم في أماكنها وقذفتها لأماكن بعيدة، لدرجة ظهر وكأن القيامة قد قامت في المكان.

 

أما في منزلي الذي غابت عنه معالم الحياة منذ اندلاع العدوان، فقد تحتم علي القيام بتوفير متطلبات الحياة في المنزل من ماء للنظافة الشخصية أو طعام وشراب لأهل البيت وغيره.