ربما
ليس المقام مناسبا ليظلل الحزن أجواء الشهر الفضيل؛ وربما ليس المقام يتسع لسرد
نفحات الأسى التي تزور أفئدة الزائرين بل والساكنين من قبلهم، هو يتسع للفرح
"عنوةً" لأننا اعتدنا عليه وفضّلنا أن نذكره.
ولكن
في القدس موشّحاتٌ من ألم لا يمكن أن نتخطى عتباتها مهما حشرنا الفرح داخلنا
وتظاهرنا أنه يملؤنا ونملأ أحرفه؛ في القدس كل شيء مختلف لأنها ارتبطت بمناقير
الغربان وسواد البوم الذي لا ينام وانقلاب أعقاب الخفافيش وصوتها الخفيّ المندسّ
بين هديل الحمام.
في
القدس تقتنص الأهلة فرصة الظهور حتى تعلن عهدا جديدا؛ ليس عهدا عاديا ولا يتكاثر
فيه الناعقون، عهداً تموت فيه النائحات وتبدأ فيه بسمات الأمل دورها المكتنز
بأنوار الفجر الجديد، عهداً تتسابق فيه الأجنة لتطلق صيحة الحياة بعد أكوام صرخات
الموت التي أسكتت ماضينا وحاضرنا وتفكّر كيف تئد الزمن الوليد.
في
القدس القلوب شتى وإن اجتمعت؛ ليس على اختلافٍ ولكن هناك ما يؤرقها، ربما هي
تمتمات غولٍ يسقي حرثاً ليس له؛ أو سرب طير مهاجر لا ينتمي للمكان فيسير غير موثوق
الخطى فوق تقلبات الفصول؛ أو "رقصاتٌ" لبست قناع الفرح وهي تخفي براكين
الأسى في زحمة الأعياد واصفرار الحقول.
في
القدس لا تجد إلا ريحا طيبا يخالط النفس ويشدّ كل ما فيها؛ لا تأبه بارتطام
الصلوات غير النقيّة بجدران التاريخ المأثور، لا تأبه بشكل الحياة المشوّه تحكيها
"طريق الآلام" كل يوم ألف مرة، لا تأبه إلا بجذب الأنفس لتحلق معها فوق
القباب والأجراس فتتناسى شيئا من ذكرى الوجع الأدق أثراً في زواياها، لا تأبه إلا
بشكل الحياة هناك تخفي مآسيها.
في
القدس لا يزور رمضان الناس بل هم يطرقون بابه؛ لا تقل لماذا فكل شيء غدا هناك
معكوسا؛ الصبية ذات الجدائل السمراء تخشى الوقوف على عتبة البيت بينما تتطاير خصال
ذهبية بحُرية تخالطها ضحكات مصطنعة، والفتى الرجل المبكر يختصر الخطى ثم يعود
أدراجه يخفي دمعةً وغصة شكّلتها مشاهد فتية بلباسٍ موحد سرقوا الكرة والملعب
والهدف الثمين.
في
القدس لا يغيب رمضان أبدا وإن انقضت ثلاثون ليلة؛ فالبدر والهلال واختفاؤهما
يصارعان البقاء في لوحةٍ حملت خلف أضلعها حلماً وأمنية، هناك يسأل السائلون وما
أكثرهم عن هوية القمر الجديد؛ هل له "تأمين صحي" أو دفع
"الضريبة" وهل سنّه ملائم "للعبور"؟.. وأمام ذلك يخبو القمر
ويعاود الظهور كل ليلة لأن القدس منحته "الهوية" وليست أي
"هوية".. لذا؛ لا يغيب رمضان ويبقى حاضراً في معادلة الوجود المقدسي.
في
القدس ينزف القلب كلماتٍ وحروفاً ليتها تنطق أو تغني وتنشد، يترك فيه عبوات وجع
قاتلة لا تنفجر إلا حين يخفت الأذان وتطير الحمائم بعيدا عن سرايانا وتترك القمح
المعتّق باستكانتنا.. في القدس لا أرى إلا رشفةً من ألم ورحيقاً أطلقه الأمل
وشعاعَ نورٍ يرفض النسيان وتغريدَ عصفورٍ أسيرِ النّوى لا يجد المكان؛ وأي مكان.