سيجارةٌ وزوجتان

نشر 29 مايو 2016 | 13:38

تفاجأ “مرزوق” بزميله في العمل قبل عدة أعوام يقف على جانب الطريق يُشير لسيارة تنقله إلى منزله. صحيحٌ أن ذلك الشاب اشتعل رأسه شيباً وبات من أصحاب البدلات الأنيقة ويحمل شنطة في يده اليمنى، غير أن “مرزوق” لا يزال يذكرُ تلك الأيام التي أمضاها بصحبته حينما كان الاثنين يعملان كحراس لأحد السجون في قطاع غزة، قبل أن يجلسوا في بيوتهم ويتقاضوا رواتبهم بلا عمل خشية إنجاح تجربة حركة “حماس” في الحكم.1

 

تبادل الاثنان أطراف الحديث داخل السيارة، وقد كانت بضع سنين كفيلة بأن تجعل صديق “مرزوق” يحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه، خلال فترة جلوسه في البيت، ليتحول بعدها من حارس لسجن يُحتجز بداخله السُجناء الجنائيين إلى أستاذ جامعي ينهل من علمه مئات الطلبة، وبين الفينة والأخرى يطلب منهم التحلي بالقيم والأخلاق، حتى فاجأه أحد طلبته خلال إحدى المحاضرات بقوله: كيف تحدثنا عن الأخلاق والقيم وأنت تتقاضى راتباً من السلطة عن مهنة لا تعمل فيها منذ سنوات؟، ومنذ تلك الحادثة يحرص ذلك المحاضر الجامعي لعدم تجاوز المحاضرة بأي حالة من الأحوال.

 

كان “مرزوق” يستمع لتفاصيل حكاية صديقه التي تغيرت في عدة سنوات، وما إن سكت صاحب البدلة الرمادية عن الكلام، حتى انطلق “مرزوق” يسرد فصولاً من حياته التي ازدادت صعوبةً مع رفع الضرائب المفروضة على السجائر.

 

يقول “مرزوق”: أما أنا يا صديقي فكما ترى، راتبي على حاله منذ سنوات، فما أتقاضاه ألف وثمانمائة شيكل فقط، أدفع منها ثمانمائة على الدخان والقهوة، وألفٌ أرسلها لزوجتي الثانية في عمان، أما أبنائي الخمسة وزوجتي الأولى فأتمنى كل صباح أن أستيقظ فأجدهم قد ماتوا جميعاً.

 

استوقفه صديقه قليلاً: ولكن لماذا؟

أنا تزوجت بعد أن جلسنا في بيوتنا وكنت أسافر لزوجتي كل فترة من الزمن، حتى ازداد الحصار وأصبحتُ لا أتمكن من السفر لزوجتي، وأصبحنا نتقابل عبر الإنترنت فقط.

 

قمتُ قبل فترة بشراء هذه السيارة القديمة للعمل عليها، ولكن ما أدفعه عليها أكثر مما أجنيه منها، وهكذا هي أموالي تضيع، فأموال السيارة للسيارة، وراتبي الذي أتقاضاه بلا عمل أصرفه على السجائر التي ارتفع ثمنها بشكل جنوني، وعلى زوجتي الثانية، أما زوجتي الأولى فلا أعلم كيف تأكل هي وأبنائي.

 

خلال الأيام الأخيرة فكرتُ بالسفر لزوجتي الثانية ولم أجد أمامي لتمويل رحلة السفر إلا عقدا لزوجتي الأولى، لكنها ترفض إعطائي إياه لبيعه والسفر لزوجتي الأردنية التي لم أجتمع وإياها تحت سقف واحد منذ عامين كاملين.

 

يقطع الأستاذ صديقه “مرزوق” مرة أخرى: ولكن لماذا لا تتوقف عن التدخين وتوفر مبلغاً كبيراً من المال يمكن استغلاله بشراء سيارة حديثة لك، أو افتتاح مشروع أفضل كما فعل آلاف الموظفين من أمثالنا، ثم يا صديقي لا يجوز لك بيع عقد زوجتك الأولى لزيارة زوجتك الثانية، ألا تخجل من نفسك لا تنفق على زوجتك الأولى ثم تريد سلب منها أموالها لإنفاقها على زوجتك الثانية. صحيحٌ بأننا “أنذال” يا صديقي، لكن ليس لهذه الدرجة.. قهقه الاثنين بصوت مرتفع وأشار المحاضر على “مرزوق” بالتوقف فقد وصل لمكان سكنه.

 

ملاحظة/ أي تشابه في القصة مع أحداث أخرى وأشخاص آخرين فهو غير مقصود.