استراحةٌ حمراء «17/26»

نشر 26 مايو 2016 | 11:24

ومع ساعات مساء يوم السبت السادس والعشرين من مايو 2014م عادت الأمور إلى وتيرة السخونة، وخلال ساعات الليل استمرت عمليات القصف على مدار الساعة، بل وقد شاهدت الزملاء الصحفيين والإعلاميين يتركون خيمتهم في مجمع الشفاء الطبي أكثر من مرة خشية استهدافهم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وسخونة ساعات الليل كانت تجري على وقع زيادة وتيرة حديث على الصعيد الدبلوماسي، وأن العديد من وزراء الخارجية الأوروبيين والعرب بدأوا الضغط خلال اجتماع لهم في باريس لإقرار دعم وقف إطلاق نار إنساني في غزة.1

 

ومع ساعات الصباح وفي تمام الساعة الثامنة صباحاً بدأ سريان تهدئة إنسانية في قطاع غزة بجهود أممية تستمر لمدة أربع وعشرين ساعة قابلة للتجديد بهدف إقرار تهدئة طويلة بين الاحتلال الإسرائيلي وأهالي القطاع الجريح.

 

على صعيدي الشخصي، قمتُ باستغلال إعلان هذه التهدئة وبدأت مسيرة التوجه إلى منزلي لبعض الوقت في محاولة للاطمئنان على أهل بيتي وأبنائي. بدأت رحلة العودة سيراً على أقدامي، فلم أطمئن لوعود الاحتلال أو إمكانية التزامه بتهدئة إنسانية، وبعد وصولي للبيت جلست مع أمي وأبي وزوجتي وابني البكر “تيسير” وقد احتضنتهم جميعاً وبدأت أتحدث إليهم عن قصص من الحرب عايشتها خلال الأيام التي غبتها عنهم.

 

خلال لقائي بأهلي لفت انتباهي ابني “تيسير”! شعرتُ ومن خلال حديثه عن الحرب والدماء والشهداء بأنه وبفعل الحرب قد تجاوز سنوات عمره كثيراً وبات رجلاً يمكن الاعتماد عليه، هكذا شعرت به وهو الذي لا يزال في عامه العاشر بعد.

 

بعد وقتٍ قليل على مكوثي في البيت، تركت أهلي وتوجهت لحي الشجاعية للاطلاع على حجم الجريمة الإسرائيلية هناك ونقل معاناة مواطني المنطقة، وقد كان توجهي لذلك الحي أيضا سيراً على الأقدام. عندما رأيت البيوت والمنشآت المهدمة أصابني الإحباط، فلم أرَ في حياتي عدوانا ودماراً بهذا الشكل، لكن حينما حاورت أهل الشجاعية الذين أكدوا وقوفهم خلف المقاومة واحتضانها زاد فخري وشموخي بأبناء شعبي وزادت قناعتي أن شعبنا لا يمكن هزيمته من قبل (إسرائيل) مهما كلفه ذلك من ثمن.

 

رجعت إلى مستشفى الشفاء بعد زيارتي لحي الشجاعية وكل رحلتي كانت سيراً على الأقدام، وبمجرد جلوسي مع الصحفيين تلقيت صدمة كبيرة لم أرغب بوقوعها معي، فقد استشهد “عبيدة” بينما كنت في الشجاعية وشيعوه على عجلٍ قبل انتهاء فترة التهدئة. رحمك الله يا عبيدة تمنيت وداعك لكن لم أعلم بموعد الرحيل.

 

ومع انتهاء ساعات التهدئة، ودخول ليلة جديدة ساد الهدوء بشكل لم يسبق له مثيل خلال ساعات الليل، لكننا لم نعلم بأن اليوم التالي سيحمل بين طياته جنوناً إسرائيلياً منقطع النظير، فما إن طلعت شمس النهار حتى بادرت طائرات الاحتلال وزوارقه ومدفعيته بسلسلة هجمات قوية وعنيفة استهدفت في غالبها منازل المواطنين في أحياء الزيتون والشيخ عجلين وغرب غزة وأتت على ممتلكاتهم المختلفة التي بنوها وشيدوها بعد عرق وجهد من سنوات عمرهم.

 

ورغم العدوان الذي تصاعد في ذلك اليوم بشكل كبير، وقمنا بمحاولة رصد تفاصيله أولاً بأول رغم كثرتها وتهجير أحياء سكنية بأكملها، وانقطاع في الكهرباء وشبكات الاتصالات وصعوبة الوصول إلى الأهداف التي كانت تدمرها طائرات الاحتلال الإسرائيلي، إلا أننا تناولنا طعام الإفطار ولم ننتظر طويلاً حتى تم الإعلان رسمياً أن ذلك اليوم هو الأخير من شهر رمضان المبارك وسيكون اليوم التالي هو أول أيام عيد الفطر السعيد.

 

صليت المغرب والعشاء في تلك الليلة، لكني لم أعلم ما الذي قلته في صلاتي بتلك الليلة، فقد اشتقت لأجلس في ساعات من الهدوء والراحة وقضاء العيد بصحبة أفراد عائلتي وأهلي، وبعد الإعلان عن تهدئة أخرى بمناسبة حلول عيد الفطر، هاتفتُ زوجتي وطلبتُ منها الرجوع بكل أبنائي في اليوم التالي لشوقي إليهم، وحتى نُشعرهم بأجواء العيد التي اعتدنا عليها في سنوات سابقة.

 

وصلتُ إلى منزلي مرة أخرى في أقل من أسبوع، ورأيت أطفالي الذين لم أرَ غالبيتهم منذ بداية العدوان، جلستُ قليلاً معهم حتى غالبني النُعاس فوجدت نفسي غارقاً في نومٍ اشتاق له جسمي، ولم أمكث قليلاً حتى دوت انفجارات هائلة هزت بيتنا، وأيقظتني على صراخ أطفالي.

 

وعلى الفور قررتُ العودة للعمل بعدما نكثت “إسرائيل” بالتهدئة مرة أخرى، استودعتُ أبنائي وجلبتُ لهم سيارة للخروج من منزلنا لمكان آخر، أما أنا فودعت أمي وأبي وخرجتُ وكانت دقات قلبي تزداد شيئاً فشيئاً لكنها هدأت بعد أن طمأنتني زوجتي بوصولها للمكان الذي مكثوا فيه خلال أيام العدوان على غزة.

 

وبينما كانت ساعات اليوم الأول لعيد الفطر تقترب من ساعات المساء، دوَّى انفجار هائل في مستشفى الشفاء حيث نمكث واستهدف المبني المجاور لخيمة الصحفيين، وقدر الله تبارك وتعالى ألا نُصاب، لكننا أدركنا بأننا أصبحنا جميعاً في دائرة الاستهداف لطائرات “إسرائيل” ويجب عدم المكوث في خيمتنا مجتمعين، وخلال حالة الارتباك التي خيمت على المستشفى بعد استهدافه، دوت عدة انفجارات في مخيم الشاطئ غرب غزة، لتكشف التفاصيل بعد دقائق بأنها جريمة ارتكبتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي بحق أطفال كانوا يلهون في متنزه مخيمهم في اليوم الأول للعيد.

لقد كان مشهداً مؤلماً للغاية حينما وصلت جثامين أكثر من عشرة شهداء كلهم من الأطفال وعشرات المصابين، فقد لونت صواريخ الاحتلال ملابس العيد التي يرتدونها وحولتها كلها للون الأحمر القاني، وبعضهم لم يصل إلا أعضاء من أجسامهم الطرية التي مزقتها الصواريخ والقذائف.