هدأت وتيرة القصف خلال ساعات نهار ذلك اليوم، وبدأ تداول أحاديث عن وجود وساطات دولية وغيرها لتحقيق تهدئة بين الاحتلال الإسرائيلي والمواطنين الفلسطينيين تزداد بشكل مُطرد، وفي ذلك اليوم صلينا العشاء وبدأ نقاش يدور بيننا حينما اجتمعنا في خيمة واحدة حول مستجدات الوضع الحالي وكلٌ منا له حكاية، فهذا يتمنى رؤية والدته قريباً، وذاك يتمنى انتهاء الحرب حتى يُعيد ترتيب بيته قبل انتهاء شهر رمضان المبارك وعمل وليمة يدعو فيها أخواته.1
أما أنا فقد آلمني الفراق والشوق لزوجتي وأبنائي وأمي وأبي. لقد اشتقت كثيرا لحضن دافئ يجمعني بهم، وأقضي معهم إجازة العيد بدون حرب. لقد اشتقت لانتهاء الحرب حتى تعود لحظاتنا الحميمة تحت سقف بيت واحد يجمعنا بعدما طردتنا منه طائرات العدوان الإسرائيلية وجعلت كل واحد منا يعيش في زاوية بعيدة عن الآخر في الوطن الواحد.
وقطع حديثنا في ذلك الوقت استهداف مجموعة من المواطنين بعد خروجهم من صلاة التراويح في حي الشيخ رضوان، وقام أحد المواطنين بإحضارهم إلى المستشفى في سيارته المدنية، وخرج مُسرعاً من المستشفى، غير أن طائرات الاحتلال الإسرائيلي رصدته جيداً، ولم تتركه يمضي وأرادت معاقبته على إنسانيته وتقديمه المساعدة للجرحى، فاستهدفت سيارته بينما كان لا يبتعد عن المستشفى مئات الأمتار. اشتعلت النار في السيارة بعد استهدافها، ولم يجد ذلك الشاب الذي أنقذ المصابين قبل دقائق من ينقذه، فلفظ أنفاسه الأخيرة حرقاً، وعاد إلى المستشفى التي خرج منها قبل دقائق بمشهد مؤلم للغاية، حيث بدا وكأنه قاوم نيران ذلك الصاروخ الحاقد، لكنها تمكنت منه.
وعلى مائدة السحور جهز كل واحد من الصحفيين متاعه في تلك الليلة، ومن كان معه فضل زاد أحضر لمن ليس معه زاد، وجلسنا على مائدة واحدة اقتسمنا فيها لقمة سحور كانت حتى نتقوى فقط على عملنا الإعلامي والصعب خلال ساعات النهار، وبعد السحور قررنا الراحة والنوم قليلاً مع سيطرة شبه الهدوء في مختلف محافظات قطاع غزة.
كانت الساعة تُشير نحو التاسعة صباحاً حينما أيقظني زملائي وأخبروني بحضور وفد من اللجنة الدولية للصليب الأحمر برئاسة مسئولته في مكتب القدس وطلبوا الحديث مع الصحفيين لتوضيح ما أسموه الجهود التي يقومون بها لإغاثة ونجدة المصابين والمتضررين وغيرها من الأمور.
انتدبني زملائي الصحفيين الموجودين للحديث مع ممثلي الصليب الأحمر، نظرت إلى الوفد الزائر فأدركت شعورهم بالنقمة الشعبية الفلسطينية عليهم لشعور المواطن الفلسطيني أن هذه المؤسسة أدارت ظهرها لهم ولمعاناتهم ولم تتعامل معهم كما تتعامل في مختلف أماكن النزاعات الدائرة بمختلف أرجاء العالم.
بدأ نقاش حاد بيني وبين مسئولة اللجنة الدولية دون أن يقوموا بإجابتي إجابات واضحة عن الخطوات التي قاموا بها لإظهار منع وإعاقة الاحتلال الإسرائيلي لعملهم كما هو معهود عليهم في مختلف أرجاء العالم، لكنهم لم يمتلكوا إجابة واضحة للتساؤلات وبدأوا بالمراوغة، فقلت لهم: إن كنتم لا تستطيعون إغاثة المصابين المدنيين وإجلائهم. وإذا كنتم تسكتون على جرائم الاحتلال ولا تتحدثوا عنها. وإن كنتم أصدرتم بياناً رفضاً لأسر ثلاثة جنود إسرائيليين في الضفة المحتلة في اليوم التالي للعملية من مقركم الرئيس في جنيف ولم تجرؤوا على إصدار بيان يوضح التضييق عليكم من قبل الاحتلال “كما تقولون” فأنتم جهة غير مرحب بها للعمل في فلسطين والأفضل لكم المغادرة.
وما إن تكلمت بهذه الكلمات حتى بدأ أهالي حي الشجاعية الذين تحلقوا من حولي بالهتاف والتكبير والطلب من الوفد المغادرة على الفور، وهذا ما كان.
وبعد صلاة العصر مباشرة وصل إلى مستشفى الشفاء البرلماني الأردني الدكتور محمد الدوايمة وقد عقد مؤتمراً صحفياً للحديث عن جولته وكرر خلال المؤتمر حديثه أكثر من مرة أنه أحضر 100 طن من الأدوية كمساعدات لمواطني قطاع غزة وغيرها، وأظهر أهالي القطاع كأنهم متسولين للمساعدات من هنا وهناك. حقيقة استفزني كلام “الدوايمة” فقررت سؤاله وإحراجه، فقلت له: بداية إن غزة ترحب بكل من يزورها، ولكن تقديم أي دعم لها من أي عربي أو مسلم يأتي في سياق الواجب وليس من باب المساعدات كونها جزءاً من قضية المسلمين وليس أهل غزة وحدهم.
ثم سألت النائب الأردني: أليست زيارتك كنائب برلماني إلى غزة بينما هي تحت القصف منذ تسعة عشر يوما متأخرة نوعا ما؟. حينها تصبب العرق من جبينه وبدأ الحديث بموضوعات أخرى من قبيل الإشادة بأهل غزة وتضحياتهم وغيرها من العناوين التي تصلح للاستهلاك الإعلامي فقط، لكني وقبل أن أختم أسئلتي له دعوته لتناول طعام الإفطار معنا في مستشفى الشفاء وقلت له: إن العدو الإسرائيلي يُفطر أبناء شعبنا يوميا بالقذائف والصواريخ وأنت مدعوٌ لمشاركتنا على مائدة الإفطار في هذا المكان لترى ما الذي يحدث. وعدنا بتناول الطعام معنا لكننا لم نره كما وعد في ذلك اليوم، فقد أفطرنا على مشاهد قتل وإصابات مروعة وصلت إلى المستشفى.