الشيشة الحلال!!

نشر 22 مايو 2016 | 11:24

جلس “مرزوق” حائراً بجوار شجرة وارفة الظلال على أحد مفترقات الطرق، وضع يده على خده الأيمن واستند بكوعه على ركبته، واتجه بنظره ناحية الشرق، حيث تتواجد عدة محال تجارية تابعة لوزارة الأوقاف والشئون الدينية، تقوم بتأجيرها للمواطنين بهدف إقامة مشاريع اقتصادية فيها. لكن ليس هذا مكمن الحيرة الذي سيطر على جوارحه كافة.1

 

ركز “مرزوق” نظره نحو تلك المحلات، حيث يعلو أحدها يافطة جلدية زاهية الألوان لمحل تم تأجيره حديثاً لبيع الأرجيلة والمعسل وأصناف مختلفة للدخان ومشتقاته وأدواته المختلفة، وهي مشتقات يتبارى باستمرار خطباء وزارة الأوقاف ووعاظها لتحريمها في مواطن مختلفة.

 

الحيرة تسللت إلى عقل “مرزوق” لعدم سماعه فتوى جديدة تبرر لمؤسسة مثل “وزارة الأوقاف” بصورتها المشرقة، تأجير محلاً من محلاتها لبيع “سلعة محرمة” كما أقرت الوزارة ذاتها في أكثر من موقف، لتكون الفتوى الجديدة ماسحةً لسابقتها.

 

ووسط هذه الحيرة بدأ “مرزوق” يستحضر ما تعلمه خلال سنوات حصوله على درجتي البكالوريوس والماجستير في العلم الشرعي، عله يجد ما يبرر خطوة السماح بتأجير أحد المحال التابعة لوزارة الأوقاف لإحدى أهم السلع التي “تحرمها” الوزارة عبر منابر المساجد ومن خلال دروس العلم. فقد بدأ التفكير بالقاعدة الشرعية “الضرورات تُبيحُ المحظورات” لعله بذلك يجد المبرر الذي يدفع وزارة الأوقاف لسلوك هذه الخطوة المنافية لما تقوم به من تحريم للدخان ومشتقاته.

 

لم يتوقف التفكير لدى “مرزوق” فقد قرأ خلال دراسته بأن الفتوى قد تتغير بتغير الزمان أو المكان، كما قرأ في “علم مقاصد الشريعة” وفهم كذلك جيداً قاعدة “درء المفاسد أولى من جلب المصالح”، وفي سبيل ذلك رجع إلى بيته محاولاً البحث في مكتبته ودراسات العلماء التي وقعت بين يديه كذلك عن مبرر يجعله يستسيغ هذه الخطوة من قبل وزارة الأوقاف، وبخاصة مع كون معرض الدخان والأرجيلة الذي تم افتتاحه ومن خلال اسمه يعتبر الفرع الثاني في مدينة غزة!!.

 

حالةٌ من القلق والإرباك أصابت “مرزوق” بعدما أشغل تفكيره ما بدا وكأنه قرار من وزارة الأوقاف والشئون الدينية بـ” تحليل الدخان والشيشة”، على عكس ما كانت تقوم به خلال الفترات الماضية من تاريخ عملها.

 

أشفقتُ على “مرزوق” وما أصابه من حالة قلق وتوتر نتيجة مشاهدته لأحداث ووقائع ميدانية تُنافي ما تدعو له وزارة الأوقاف والشئون الدينية من تحريم للتدخين وضرورة محاربته وإن كان بالكلمة الحسنة، وهي بذلك تتصرف أسوة بآلاف العلماء والمؤسسات الشرعية والدينية في كافة أرجاء العالم من تحريم لهذه الآفة التي تفتك بالشعوب وأبنائها. غير أن الخطوة التي قامت بها الوزارة في غزة ستتركنا نغوص في الحيرة حتى نرى تفسيراً واضحاً منها لهذه الخطوة على الأقل، نقوم من خلال هذه المعلومات التي تنشرها الوزارة لإقناع الجمهور الفلسطيني بمصداقية دعواتها المحرمة للتدخين أو المحللة للشيشة.

 

إن سقطةً من هذا القبيل اقترفتها وزارة الأوقاف كما يقول “مرزوق” توجب عليها إصدار توضيح عاجل تُقنع من خلاله الجمهور الفلسطيني بمبرر خطوتها التي قامت بها