عقولٌ مؤجرة ونكبةٌ متواصلة

نشر 17 مايو 2016 | 10:56

في منتصف مايو أيار من كل عام تبدأ وتيرة تقليب صفحات الماضي من المجتمع الفلسطيني وقادته للبحث عن محطات التهجير واللجوء التي عاشها الأجداد والآباء خلال أطول مسيرة من الطرد والقتل والإبادة في تاريخ البشرية نفذتها العديد من الأطراف العربية أو الدولية للفلسطيني الذي عاش على أرضه آمنا مطمئناً، ضمن حدود كيان نظرت كل أطماع الدنيا إليه بعين الحسد، حينما وجدت فيه النهضة الحقيقية والازدهار الاقتصادي وثقافة أبنائه، وكل معالم الحضارة الإنسانية. فقررت الأنظمة الظالمة تبديد طموح الفلسطيني وهدم الصرح الذي بناه على مدار آلاف السنين، لتقوم بغرس اليهود على أرض فلسطين.2

 

لا ضير أيها السادة أن نستذكر فصول النكبة، وننقل معالمها إلى أبنائنا وأجيالنا لتبقى الحكاية حاضرة، لا لزيادة الإحباط واليأس من إمكانية العودة وزوال الاحتلال عن أرضنا، ولكن لتعزيز توجهاتنا وطموحنا وعملنا في سبيل إزالة كل النفايات التي وضعها العالم الظالم على أرضنا بسواعد شبابنا وأبطالنا، وغسل وطننا فلسطين بالماء سبعة مرات إحداهن بالتراب لتعود لديارنا الطهارة التي كانت عليها قبل تدنيسها.

 

وحتى تصل فصول النكبة لأبنائنا دقيقة ودون تحريف أو تزوير للأجيال الفلسطينية فحريٌ بنا أن نقوم بتنقية عقولنا من أي شوائب قد لوثتها أو غرسها بعض الدجالين فيها خلال السنوات الماضية، حينما غرر بأعداد غير قليلة من أبناء الشعب الفلسطيني البعض من خلال خُطب رنانة وتصريحات عصماء يدعي حفاظه من خلالها على الثوابت الفلسطينية وبينها حق العودة، لكنه وفي مواضع أخرى يعلن تخليه عن هذا الحق وبتسجيل بالصوت والصورة، فكيف يستوي هذا المنطق.

 

نحن نُريد عقولاً للحديث عن النكبة تكون ناصعة بيضاء، تؤمن بالمقاومة بكافة أشكالها كخيار لاستعادة الحقوق وانتزاعها كما حدث لدى كافة الشعوب التي تحررت من محتليها، ولم يسجل المؤرخون على مدار عقود من الزمن بأن السلام مع المحتل للبلد يُعيدُ أرضاً أو ينتزع حقوقا.

 

إن الآفة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني مع تكرار كل ذكرى نكبة هو النشاط الملحوظ من قبل بعض الذي قاموا بتأجير عقولهم أو استبدالها بعقول غير آدمية للحديث عن النكبة، وهذا تماماً ما حدث مع الإعلامي المعروف في إحدى المؤسسات الإعلامية العاملة بقطاع غزة ويُدعى “مرزوق”، و” ومرزوق” هذا يعتاد تهييج الجمهور الفلسطيني في قضايا مختلفة من خلال دس السم بالعسل، وفي صباح يوم النكبة وجد الخيال مفتوحاً لعقله المؤجر، وبدلا من الحديث عن النكبة ومعاناة أهل فلسطين بفعلها على مدار ثمانية وستين عاماً، تحدث عن النكبة بشكل آخر، فقد وصف ما جرى في العام 2007م من القضاء على الفلتان الأمني وإفشال المخططات الغربية لتدمير ما تبقى من فلسطين في إطار بقعة غزة، وصفه بأنه أشد على الشعب الفلسطيني مما جرى في العام 1948م على يد الاحتلال الإسرائيلي!!.

 

أشفقتُ على “مرزوق” للغاية وأنا أسمع كلماته المسمومة، وأدركتُ بأنه لم يدرِ بأربعة وخمسين قرية قد أزالها الاحتلال الإسرائيلي عن الوجود قبل زرع كيانه، بل لم يدرِ بالمجازر والحروب التي ارتكبها ذلك الاحتلال ولا يزال بحق الشعب الفلسطيني حتى يومنا هذا، لكني ورغم إشفاقي عليه أدركتُ جيداً بأن “مرزوق” من الإعلاميين الذين أجروا عقولهم لجهات أخرى ورفضوا الحديث بلغة المنطق، واختار الشهرة على حساب شرف الوطن والقضية والمهنة، قلتُ في نفسي: ابقَ يا ” مرزوق” في المكان الذي تستحقه غير مأسوفاً عليك، فالذبابة تنزل إلى الأرض وكذلك تفعل النحلة، لكن شتان بين المكان الذي تهوي عليه النحلة، والقذارة التي تنزل عليها الذبابة.