قبل أيام جمعني لقاء بصديقي زمن الدراسة الإعدادية “مصطفى”، تبادلنا المصافحات والسؤال عن أحوال بعضنا البعض بعد هذه السنوات، فأخبرني بأنه يعمل هذه الأيام داخل أحد المطاعم الكبيرة والمشهورة في غزة ويتقاضى راتباً متواضعاً لا يكاد يكفي لأفراد أسرته السبعة.1
تبادلتُ و” مصطفى” الحديث عن غرائب ما يُصادف أحدنا في مهنته فحدثني بكلام مؤلم للغاية، فقد أخبرني بأن أكثر من 70% من الطعام الذي يتم إعداده وتقديمه للزبائن داخل المطعم يُلقى في النفايات، بل وفيه الكثير من اللحوم والمأكولات التي يحلم الكثير من العائلات الغزية برؤيتها تدخل بيوتها مرة خلال الشهر.
كان يتحدث صديقي بكل حسرة حتى أنه أسر لي بأنه يتمنى العودة إلى بيته ببعض من تلك المأكولات لأطفاله وزجته، وهو ما يفعله خلسةً بين الفترة والأخرى خشية دراية إدارة المطعم التي طردت أحد العاملين قبل عدة شهور لقيامه بجمع الكثير من الطعام الزائد عن زبائن المطعم وتوزيعه على بعض فقراء منطقته!!.
قلت لصديقي: لماذا يشتري الزبائن بالأساس طعاماً يزيد عن حاجتهم ويُلقونه في القمامة؟ أنا أعلم أنه في بعض الدول يتم تغريم أي شخص يطلب طعاماً زيادة عن حاجته لمنع إلقاء الزائد منه في النفايات؟.
هز مصطفى رأسه وأطلق بكلماته بعد زفيرٍ طويل: هذا في الدول التي تحترم نفسها، أما عندنا فالكثير من الناس يعتبر إلقاء الطعام في النفايات دليل تقدم وحضارة وتعزيزاً لدرجة الاتيكيت التي وصل إليها ذلك الشخص، وأكثر من يقوم بإلقاء تلك الأطعمة والأشربة في النفايات هم فئة الخُطاب. يومياً يصلنا الكثير من هذه الفئة إلى المطعم، فيقوم الشاب بطلب الكثير من الطعام له ولخطيبته والذي ربما يكفي لكل أفراد عائلته في صورة منه لإظهار محبته لها، وحينما يصل الطعام يبدأ الاثنين بتناول البعض القليل على أطراف الملعقة أو الشوكة، فهو يُريد إظهار تنظيمه للطعام ليبقى جسمه رشيقاً ورياضياً، وهي تفعل ذات الأمر، وينتهون من تناول الطعام وقد بقيت الكثير من الأصناف كما هي دون أن تمسها أنامل الخاطبين. أقسم بالله أنهم حين يعودون إلى بيوتهم والجوع يقتلهم يندمون وتبدأ تُحدث نفس كل واحد منهم بالخطيئة لعدم التهامه الكثير من الطعام!!.
قضية إلقاء الكثير من الطعام في مطاعمنا ليست الوحيدة كدليل على إهدار النعم التي وضعها المولى تبارك وتعالى في أيدينا للاختبار والابتلاء ومعرفة كيفية التعامل معها، فقبل أيام قرعت الأفراح والليالي الملاح طبولها في إحدى صالات مدينة غزة على شاطئ البحر، وانتهى العرس تمام الثانية والنصف قبل الفجر بقليل، ومع انتهائه كانت المهمة كبيرة أمام العاملين في الصالة، فقد استمروا لساعات عدة ينظفون الطعام الذي فاض بمئات الأطباق بعد انتهاء حفل زفاف أحد أبناء كبار المسئولين السابقين بغزة. صحيح أن العاملين في الصالة والمشرفين عليها تمكنوا من أخذ البعض منه لعائلاتهم، غير أن ما أُلقي في النفايات كان أكبر بكثير من أن تحمله أيديهم.
إن الكثير من المفاهيم في مجتمعنا الفلسطيني باتت مشوشة، فوسائل الإعلام المنافية لأخلاقنا في رسائلها ومحتواها مع غياب الدور المسئول للحكومة في الرقابة على المطاعم والمؤسسات العامة كما في العديد من البلاد التي تحترم نفسها وتسعى للنهضة، يساهم في تعزيز هذا المبدأ، بالإضافة إلى العادات الاجتماعية السيئة التي تناقلناها من بعض الجهلة تعزز في إهدارنا لطعام يتشوق له الكثير من الفقراء في بلادنا، فالكثير من رواد المطاعم مثلاً لا يجرؤ على أخذ ما تبقى من وجبته التي تناولها داخل المطعم خشية نعته من بعضهم بأنه “متخلف” أو لا يوجد عنده “اتيكيت وتطور”!!.
إن الله تبارك وتعالى حينما خلق هذا الكون وازن في خلقه تماماً وخلق الطعام فيه يكفي للإنسان والحيوان، لكن يوم أن تعامل الإنسان المتسلط بشكل مخالف لنواميس الكون حدث الخلل وانتشر الفقر والمجاعة.
وللخروج من هذه الحالة يجب أن يكون لدينا خطوات رائدة كأفراد ومسئولين لاحترام التعامل مع تلك النعم التي منحنا الله إياها قبل أن تزول من بين أيدينا، ولا داعي لإظهار الكرم والجود بإلقاء الطاعم في النفايات، وإن كنتَ لا بُد فاعلاً أخي الحبيب أختي الكريمة فأظهر كرمك للفقراء والمساكين، وامنح وجبة لكل واحد منهم مقابل كل وجبة تتناولها.
أما المطاعم والمؤسسات المختلفة فعليها استغلال ما يتبقى لديها من طعام في أوجه مختلفة، فإما أن يتم توزيع الطعام الزائد والصالح منه على الكثير من الجهات التي تحتاج له، وبذلك نسجل النجاح في اختبار التعامل مع نعم الله، أو أن نقوم بإعادة تدوير هذا الطعام واستخدامه في سد أوجه مختلفة كأن يستخدم أعلافاً للحيوانات مثلاً.
سأحترم كثيراً أي مطعم فلسطيني يتبع سبيل النهضة الحقيقية ويقوم بإجراءات ملموسة تحفظ علينا طعامنا أسوةً بالكثير من المطاعم في العديد من أرجاء العالم، في ظل حصار خانقٍ نعاني منه جميعاً وإن كان بأشكال متفاوتة، وسأرفع القبعة لكل مطعم يبدأ بإجبار زبونه على دفع غرامةٍ على كل زبون يترك طعاماً من خلفه تكون مناسبة لكمية الطعام الزائد، أو أن يتخذ المطعم إجراءات جمع ما يتبقى من طعام وتسليمه لذلك الزبون قبل مغادرته، وبذلك يدفعه بشكل غير مباشر على طلب ما يكفيه فقط دون إسراف أو تبذير.