في الجزئين الأول والثاني من هذا المقال ذكرت الأسباب والمتغيرات التي تجعل من “إسرائيل” وحركة “حماس” على حد سواء غير معنيتان في الوقت الراهن باندلاع مواجهة عسكرية بينهما على ساحة غزة، غير أن أحداث التاريخ أوضحت لنا في الكثير من المحطات أن العديد من الدول والأنظمة وجدت نفسها مضطرةً للدخول في غمار مواجهات مع الخصوم والأعداء غير راغبةٍ بها، وهذا ما قد ينطبق على ساحة غزة والمنطقة العربية بالكامل حيث تعيش على رمال متحركة عديمة التماسك والثبات.1
وعلى ما تقدم فيمكن حصر أسباب اندلاع مواجهة دامية بين الطرفين في وقوع أحد السيناريوهات التالية:
1- إقدام الاحتلال الإسرائيلي وبدون مقدمات على عمليات اغتيال لشخصيات أو قادة للمقاومة الفلسطينية في غزة، وهذا تماماً كما حدث في مواجهة عام 2012م حينما أقدمت طائرات الاحتلال على اغتيال القائد المعروف في كتائب القسام أحمد الجعبري، حينها لم تجد القسام بُداً من ضرب “تل أبيب”.
2- اكتشاف قوات الاحتلال لنفق استراتيجي أو عدة أنفاق تصل لمسافات طويلة داخل العمق الإسرائيلي، وهذا أمرٌ ستعتبره المقاومة شرارة كافية لبدء حرب، فالأنفاق والعمل والتجهيز بها واعتبارها سلاح استراتيجي في المرحلة المقبلة يدفعها لنسيان أي خسائر جانبية في مقابل عدم ضياع سلاحها الاستراتيجي دون تحقيق منجزات على الأرض. ” إسرائيل” تُدرك هذه المعادلة، ولذلك فهي لا تُجازف بالعمل بجدية ضد الأنفاق الفلسطينية “على الأقل في الوقت الراهن” وما تقوم به من عمليات حفر وتجريف في المناطق الحدودية مع غزة إنما هي للاستهلاك الإعلامي وإسكات جمهورها الغاضب عليها وبخاصة في محيط غزة.
3- سيكون قيام المقاومة الفلسطينية بعملية مباغتة وكبيرة من قبيل هجوم واسع أو أسر جنود وغيره انطلاقاً من غزة أحد أهم الأسباب المؤدية لاندلاع مواجهة عسكرية كبيرة بين الجانبين، غير أن هذا الأمر قد يكون غير وارد في الحسبان على الأقل في الوقت الراهن، فالمقاومة الفلسطينية إن وصلت للقيام بعملية من هذا القبيل فهذا يعني امتلاكها للإمكانيات التي تدفعها لتغيير رسم الخارطة السياسية على الأرض بين قطاع غزة والاحتلال الإسرائيلي، وهذه خطوة من المبكر الحديث عنها في الوقت الراهن، رغم أنها واردة الحدوث إن وصلت المقاومة لتلك الدرجة من الاستعداد.
4- قد يكون صاعق التفجير لمواجهة بين حركة “حماس” والاحتلال الإسرائيلي هو استمرار التضييق وفرض الحصار على حوالي مليوني إنسان يعيشون في شريط ساحلي ضيق، ولذلك فبين الفينة والأخرى نجد كتائب القسام تحذر من استمرار الحصار واشتداد معالم المعاناة اليومية للمواطن الفلسطيني في غزة، غير أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتلقف هذه التحذيرات على محمل الجد. صحيح أن “إسرائيل” رفعت أعداد الشاحنات التي يتم إدخالها لغزة عبر معبر “كرم أبو سالم” من 300 شاحنة يومياً قبل حرب عام 2014م ليصل العدد في الوقت الراهن إلى ما يقارب من 1000 شاحنة يومياً، غير أنها تراوغ في إدخال مواد على حساب أخرى، فمواد البناء والأخشاب والعديد من المواد المهمة لإعمار ما دمره الاحتلال لا تزال في قائمة الممنوعات الإسرائيلية، ولا يدري أحد إلى متى سيتواصل صبر المقاومة الفلسطينية تجاه مراوغة الاحتلال.
يُستخلص مما سبق بأن الطرفين “حماس” والاحتلال الإسرائيلي لم تصلان بعد لمرحلة الإقدام على سيناريو يكون شرارة إطلاق حربٍ جديدة بينهما، فـ” إسرائيل” لم تمتلك سلاحاً فتاكاً للقضاء على الأنفاق “سلاح حماس الاستراتيجي”، كما أن “حماس” لم تصل لدرجة خوض معركة كبيرة خلف خطوط العدو الإسرائيلي تكون نتيجتها عمليات أسر جماعات كبيرة من الجنود والمستوطنين تكون كفيلة بتبييض السجون الإسرائيلية من المعتقلين الفلسطينيين وترسيم حدود فلسطين ضمن هدنة طويلة الأمد بين الجانبين، يعيش فيها مواطني قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة حالة من الرخاء والحرية التي لا ينغصها اقتحامات الاحتلال لشوارع الضفة ليلاً واختطاف شبابها أو قصف منشآت غزة نهارا وقتل أبنائها.